أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

34

العقد الفريد

قولهم في المدح لبعضهم في المدح : ذكر أعرابي قوما عبادا ، فقال : تركوا واللّه النعيم ليتنعموا ؛ لهم عبرات متدافعة ، وزفرات متتابعة ، لا تراهم إلا في وجه وجيه عند اللّه . وذكر أعرابيّ قوما فقال : أدّبتهم الحكمة وأحكمتهم التجارب ؛ فلم تغرّهم السلامة المنطوية على الهلكة ، ورحل عنهم التسويف الذي به قطع الناس مسافة آجالهم : فدلّت ألسنتهم بالوعد ، وانبسطت أيديهم بالوجد « 1 » فأحسنوا المقال ، وشفعوه بالفعال . وسئل أعرابي عن قوم فقال : كانوا إذا اصطفوا سفرت « 2 » بينهم السهام ؛ وإذا تصافحوا بالسيوف فغرت المنايا أفواهها ؛ فرب يوم عارم « 3 » قد أحسنوا أدبه ، وحرب عبوس قد ضاحكتها أسنتهم ؛ إنما قومي البحر . ما ألقمته التقم . وذكر أعرابي قوما فقال : ما رأيت أسرع [ منهم ] إلى داع بليل على فرس حسيب « 4 » وجمل نجيب . ثم لا ينتظر الأول السابق الآخر اللاحن . وذكر أعرابي قوما فقال : جعلوا أموالهم مناديل أعراضهم . فالخير بهم زائد ، والمعروف لهم شاهد ؛ فيعطونها بطيبة أنفسهم إذا طلبت إليهم . ويباشرون المعروف بإشراق الوجوه إذا بغي لديهم . وذكر أعرابي قوما فقال : واللّه ما أنالوا شيئا بأطراف أناملهم إلا وطئناه بأخامص أقدامنا ؛ وإن أقصى هممهم لأدنى فعالنا . وذكر أعرابي أميرا فقال : إذا ولى يطابق بين جفونه ، وأرسل العيون على عيونه ؛ فهو غائب عنهم شاهد معهم ، فالمحسن راج والمسئ خائف .

--> ( 1 ) الوجد : اليسار والسعة . ( 2 ) أي كانت السهام بينهم سفراء . ( 3 ) عارم : شديد . ( 4 ) الحسيب : ذو الحسب .