أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
32
العقد الفريد
لآخر في القدر : وسئل أعرابي عن القدر فقال : الناظر في قدر اللّه كالناظر في عين الشمس : يعرف ضوأها ولا يقف على حدودها . وسئل آخر عن القدر فقال : علم اختصمت فيه العقول ، وتقاول فيه المختلفون ، وحق علينا أن نرد ما التبس علينا من حكمه إلى ما سبق من علمه . وقال أعرابي تكوير « 1 » الليل والنهار ، لا يبقي على الأعمار ، ولا لأحد فيه الخيار . الحجاج وأعرابي : أبو حاتم عن الأصمعي قال : خرج الحجاج ذات يوم فأصحر « 2 » ، وحضر غداؤه فقال : اطلبوا من يتغدّى معنا . فطلبوا ، فلم يجدوا إلا أعرابيا في شملة ، فأتوه به ، قال له : هلم . قال له : قد دعاني من هو أكرم منك فأجبته ! قال : ومن هو ؟ قال : اللّه تبارك وتعالى ، دعاني إلى الصيام ، فأنا صائم . قال : صوم في مثل هذا اليوم على حر ؟ قال صمت ليوم هو أحرّ منه ! قال فأفطر اليوم وتصوم غدا . قال : ويضمن لي الأمير أن أعيش إلى غدّ ! قال : ليس ذلك إلي قال : فكيف تسألني عاجلا بآجل ليس إليه سبيل ! قال : إنه طعام طيب . قال : واللّه ما طيّبه خبازك ولا طباخك ، ولكن طيبته العافية ! قال الحجاج : تا للّه ما رأيت كاليوم ، أخرجوه عني . لأعرابي : أبو الفضل الرياشي قال : أنشدنا أعرابي : أباكية رزينة إن أتاها * نعيّ أم يكون لها اصطبار إذا ما أهل ودّي ودّعوني * وراحوا والأكف بها غبار وغودر أعظمي في لحد قبر * تعاوره الجنائب والقطار « 3 »
--> ( 1 ) تكوير الليل والنهار : أن يلحق أحدهما بالآخر . ( 2 ) أصحر : خرج إلى الصحراء . ( 3 ) الجنائب : جمع جنوب ، وهي الرياح الحارة ؛ والقطار : جمع قطر ، وهو المطر .