أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

3

العقد الفريد

الجزء الرابع كتاب العسجدة في كلام الأعراب فرش كتاب العسجدة قال أحمد بن محمد بن عبد ربه : قد مضى قولنا في النسب الذي هو سبب التعارف ، وسلم إلى التواصل ، وفي تفضيل العرب ، وفي كلام بعض الشعوبية ، ونحن قائلون بعون اللّه وتوفيقه في كلام الأعراب خاصة ؛ إذ كان أشرف الكلام حسبا ، وأكثره رونقا ، وأحسنه ديباجا ، وأقله كلفة ، وأوضحه طريقة ؛ وإذ كان مدار الكلام كله عليه ، ومنتسبه إليه . خالد بن صفوان وأعرابي : قال رجل من منقر : تكلم خالد بن صفوان بكلام في صلح لم يسمع الناس كلاما قبله مثله ، وإذا بأعرابيّ في بت « 1 » ، ما في رجليه حذاء ، فأجابه بكلام وددت أني متّ قبل أن أسمعه ، فلما رأى خالد ما نزل بي قال لي : ويحك ! كيف نجاريهم وإنما نحاكيهم ؟ أم كيف نسابقهم وإنما نجري بما سبق إلينا من أعراقهم ؟ قلت له : أبا صفوان ، واللّه ما ألومك في الأولى ، ولا أدع حمدك على الأخرى . بين أعرابي وربيعة في مثله : وتكلم ربيعة الرأي يوما بكلام في العلم فأكثر ، فكأن العجب داخله ، فالتفت إلى أعرابي إلى جنبه فقال : ما تعدّون البلاغة يا أعرابيّ ؟ قال : قلة الكلام وإيجاز الصواب . قال : فما تعدّون العيّ ؟ قال : ما كنت فيه منذ اليوم . فكأنما ألقمه حجرا « 2 » .

--> ( 1 ) البتّ : كساء غليظ . ( 2 ) ألقمه حجرا : أسكته عند المخاصمة .