أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
286
العقد الفريد
وكثير الحديث من ملح النا * س بصير بخافيات ملاح كم وكم قد خبأت عندي حديثا * هو عند الأمير كالتّفاح أيمن الناس طائرا يوم صيد * في غدوّ أو بكرة أو رواح أعلم الناس بالجوارح والصّي * د وبالخرد الحسان الملاح كلّ هذا جمعت والحمد * للّه على أنني ظريف المزاح لست بالنّاسك المشمّر ثوبي * ه ولا الفاتك الخليع الوقاح لو دعاني الأمير عاين منّي * شمّرياّ كالبلبل الصّداح « 1 » قال : فدعاه فلما دخل عليه أتاه كتاب من أرمينية ، فرمى به إليه ، وقال له : أجب . فأجاب بما في غرضه وأحسن ، فأمر له بألف ألف درهم ؛ وكنا نراه أول داخل وآخر خارج ؛ وكان إذا ركب فركابه مع ركابه . قال محمد بن يزيد : فبلغ هذا الشعر أبا نواس ، فقال : أنت أولى بقلّة الحظّ منّي * يا مسمّى بالبلبل الصّداح قد رأوا منه حين غنّى لديهم * أخرس القول غير ذي إفصاح ثم بالرّيش شبّه النّفس في الخ * فّة ممّا يكون تحت الجناح فإذا الشّم من شماريخ رضوى * خفّة عنده نوى المسباح « 2 » لم يكن فيك غير شيئين ممّا * قلت في نعت خلقك الدّحداح لحية جعدة وأنف طويل * وسوى ذاك ذاهب في الرياح فيك ما يحمل الملوك على السّخ * ف ويزري بالماجد الجحجاح « 3 » بارد الطرف ، مظلم اللّبّ ، تيا * ه ، معيد الحديث ، سمج المزاح قال : فبعث إليه أبان بأن لا تذيعها وخذ الألف ألف درهم ! فبعث إليه أبو نواس : لو أعطيتني مائة ألف ألف درهم لم أجد بدّا من إذاعتها . فيقال : إن الفضل
--> ( 1 ) الشمري : الماضي في الأمور ، المجرب . ( 2 ) الشمراخ : العنقود عليه عنب . والمسباح : يريد به المسبحة . ( 3 ) الجحجاح : السيد السمح الكريم .