أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
282
العقد الفريد
الوسم ؛ فحلت محل الأنساب ، وجرت مجرى الألقاب ، وجدنا الأقلام الصّحريّة أسرع في الكواغد ، وأمرّ في الجلود ، كما أن البحرية منها أساس في القراطيس ، وألين في المعاطف ، وأشدّ لتصريف الخط فيها ؛ ونحن في بلد قليل القصب رديئه ، وقد أحببت أن تتقدم في اختيار أقلام بحرية ، وتتأنق في انتقائها قبلك ، وتطلبها في مظانّها ومنابتها ، من شطوط الأنهار ، وأرجاء الكروم ، وأن تتيمم في اختيارك منها الشديد المحص « 1 » ، الصلبة المقصّ ، النقية الجلود ، القليلة الشحوم ، المكتنزة اللحوم ، الضيقة الأجواف ، الرزينة المحمل ؛ فإنها أبقى على الكتابة ، وأبعد من الجفاء ، وأن تقصد بانتقائك الرّقاق القضبان ، المقومات المتون ، الملس المعاقد ، الصافية القشور ، الطويلة الأنابيب ، البعيدة ما بين الكعوب ، الكريمة الجواهر ، المعتدلة القوام ، المستحكمة يبسا وهي قائمة على أصولها ، لم تعجل عن إبّان ينعها ، ولم يؤخّر إلى الأوقات المخوفة عليها من خصر الشتاء « 2 » ؛ وعفن الأنداء ؛ فإذا استجمعت عندك أمرت بقطعها ذراعا ذراعا ، قطعا رقيقا ؛ ثم عبأت منها حزما فيما يصونها من الأوعية ، ووجهتها مع من يؤدي الأمانة في حراستها وحفظها وإيصالها ، وكتبت معه رقعة بعدّتها وأصنافها بغير تأخير ولا توان ، إن شاء اللّه تعالى . قولهم في الحبر قال بعض الكتّاب : عطّروا دفاتر آدابكم بجيّد الحبر ، فإن الأدب غواني والحبر غوالي . ونظر جعفر بن محمد إلى فتى على ثيابه أثر المداد وهو يستره ، فقال له : لا تجزعنّ من المداد فإنه * عطر الرجال وحلية الكتّاب
--> ( 1 ) المحص : قوة الخلق مع ضمور . ( 2 ) خصر الشتاء : برده