أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
273
العقد الفريد
الحروف ، وذلك ممكن لكل إنسان ، غير أنّ اللطيف من ذلك أن تأخذ لبنا حليبا فتكتب به في القرطاس ، فيذرّ المكتوب له عليه رمادا سخنا من رماد القراطيس ، فيظهر ما كتبت به إن شاء اللّه ؛ وإن شئت كتبت بماء الزاج الأبيض ، فإذا وصل إلى المكتوب إليه أمرّ عليه شيئا من غبار الزاج . وإن أحببت أن لا يقرأ الكتاب بالنهار ويقرأ بالليل ، فاكتبه بمرارة السّلحفاة . قولهم في الأقلام قالوا : القلم أحد اللسانين ، وهو المخاطب للعيون بسرائر القلوب على لغات مختلفة ، من معان معقودة بحروف معلومة مؤلّفة ، متباينات الصور ، مختلفات الجهات ، لقاحها التفكر ، ونتاجها التدبر ، تخرس منفردات ، وتنطق مزدوجات ، بلا أصوات مسموعة ، ولا ألسن محدودة ، ولا حركات ظاهرة ، خلا قلم حرّف باريه قطّته ليتعلق المداد به ، وأرهف جانبيه ليردّ ما انتشر عنه إليه ، وشق رأسه ليحتبس المداد عليه ، فهنالك استمدّ القلم بشقه ، ونثر في القرطاس بخطه حروفا أحكمها التفكر ، وجرى على أسلته الكلام الذي سداه العقل ، وألحمه اللسان ، ونهسته اللهوات ، وقطعته الأسنان ، ولفظته الشفاه ، ووعته الأسماع ، عن أنحاء شتى من صفات وأسماء . وقال الشاعر وهو أبو الحسن محمد بن عبد الملك بن صالح الهاشمي : وأسمر طاوي الكشح أخرس ناطق * له ذملان في بطون المهارق « 1 » إذا استعجلته الكفّ أمطر وبله * بلا صوت إرعاد ولا ضوء بارق إذا ما حدا غرّ القوافي رأيتها * مجلّلة تمضي أمام السّوابق كأنّ عليه من دجى الليل حلّة * إذا ما استهلّت مزنه بالصّواعق كأن اللآلي والزبرجد نطقه * ونوم الخزامى في عيون الحدائق « 2 »
--> ( 1 ) الذملان : ضرب من السير . ( 2 ) الخزامى : جنس نبات من الفصيلة الشفوية ، أنواعه عطره .