أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

267

العقد الفريد

واعلم أنه لا يجوز في الرسائل استعمال ما أتت به آي القرآن من الاختصار والحذف ، ومخاطبة الخاص بالعام والعام بالخاص ؛ لأن اللّه جل ثناؤه [ إنما ] خاطب بالقرآن قوما فصحاء فهموا عنه - جل ثناؤه - أمره ونهيه ومراده ؛ والرسائل إنما يخاطب بها أقوام دخلاء على اللغة ، لا علم لهم بلسان العرب . وكذلك ينبغي للكاتب أن يجتنب اللفظ المشترك ، والمعنى الملتبس ؛ فإنه إن ذهب يكاتب على مثل معنى قول اللّه تعالى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها « 1 » ، وكقوله تعالى : بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ « 2 » ، احتاج الكاتب أن يبيّن معناه : اسأل أهل القرية وأهل العير ، وبل مكركم بالليل والنهار ، ومثل هذا كثير لا يتسع الكتاب لذكره . وكذلك لا يجوز أيضا في الرسائل والبلاغات المنثورة ما يجوز في الأشعار الموزونة ؛ لأن الشاعر مضطر ، والشعر مقصور مقيّد بالوزن والقوافي ؛ فلذلك أجازوا لهم صرف ما لا ينصرف من الأسماء ، وحذف ما لا يحذف منها ؛ واغتفروا فيه سوء النظم ، وأجازوا فيه التقديم والتأخير ، والإضمار في موضع الإظهار ؛ وذلك كله غير سائغ في الرسائل ، ولا جائز في البلاغات ، فممّا أجيز في الشعر من الحذف مثل قول الشاعر : قواطنا مكّة من ورق الحما يعني الحمام ؛ وقول الآخر : صفر الوشاحين صموت الخلخل يريد الخلخال ؛ وكقول الآخر : دار لسلمى إذه من هواكا

--> ( 1 ) سورة يوسف الآية 82 . ( 2 ) سورة سبأ الآية 33 .