أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

264

العقد الفريد

فمن الألفاظ المرغوب عنها ، والصدور المستوحش منها في كتب السادات والملوك والأمراء ، على اتفاق المعاني ، مثل : أبقاك اللّه طويلا ، وعمّرك مليا . وإن كنا نعلم أنه لا فرق بين قولهم : أطال اللّه بقاك ، وبين قولهم : أبقاك اللّه طويلا ؛ ولكنهم جعلوا هذا أرجح وزنا ، وأنبه قدرا في المخاطبة ؛ كما أنهم جعلوا : أكرمك اللّه وأبقاك ، أحسن منزلا في كتب الفضلاء والأدباء ، من : جعلت فداك ، على اشتراك معناه واحتمال أن يكون فداه من الخير ، كما يحتمل أن يكون فداه من الشر ؛ ولولا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال لسعد بن أبي وقاص : ارم فداك أبي وأمي ، لكرهنا أن يكتب بها أحد ؛ على أن كتّاب العسكر وعوامهم قد ولعوا بهذه اللفظة ، حتى استعملوها في جميع محاوراتهم ، وجعلوها هجّيراهم « 1 » في مخاطبة الشريف والوضيع ، والكبير والصغير . ولذلك قام محمود الوراق : كلّ من حلّ سرّمن‌رأى من الناس * ومن قد يداخل الأملاكا لو رأى الكلب مائلا بطريق * قال للكلب : يا جعلت فداكا ! وكذلك لم يجيزوا أن يكتبوا بمثل : أبقاك اللّه ، وأمتع بك ؛ إلا في الابن والخادم المنقطع إليك ، وأما في كتب الإخوان فغير جائز ، بل مذموم مرغوب عنه ؛ ولذلك كتب عبد اللّه بن طاهر إلى محمد بن عبد الملك الزيات : أحلت عما عهدت من أدبك * أم نلت ملكا فتهت في كتبك أم قد ترى أنّ في ملاطفة الإخوان * نقصا عليك في أدبك أكان حقّا كتاب ذي مقة * يكون في صدره : وأمتع بك ! ؟ أتعبت كفّيك في مكاتبتي * حسبك ممّا لقيت في تعبك فكتب إليه محمد بن عبد الملك الزيات : كيف أخون الإخاء يا أملي * وكل شيء أنال من سببك

--> ( 1 ) الهجيرى : الدأب والعادة .