أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

257

العقد الفريد

إملائه ؛ فقال له : اكتب يا حمار ! فقال له الكاتب : أصلح اللّه الأمير ، إنه لما هطلت شآبيب الكلام ، وتدافعت سيوله على حرف القلم ، كلّ القلم عن إدراك ما وجب عليه تقييده . فكان حضور جواب الكاتب أبلغ من بلاغة يزيد . وقال له يوما وقد مط حرفا في غير موضعه : ما هذا ؟ قال : طغيان في القلم . ما يحتاج إليه الكاتب : فإن كان لا بدّ لك من طلب أدوات الكتابة ، فتصفح من رسائل المتقدمين ما يعتمد عليه ، ومن رسائل المتأخرين ما يرجع إليه ، ومن نوادر الكلام ما تستعين به ، ومن الأشعار والأخبار والسير والأسمار ما يتسع به منطقك ، ويطول به قلمك ؛ وانظر في كتب المقامات والخطب ، ومجاوبة العرب ، ومعالى العجم ، وحدود المنطق وأمثال الفرس ورسائلهم وعهودهم ، وسيرهم ، ووقائعهم ، ومكايدهم في حروبهم بعد أن تكون متوسطا علم النحو والغريب ، والوثائق والسور ، وكتب السجلات والأمانات ؛ لتكون ماهرا ، تنتزع آي القرآن في مواضعها ؛ واختلاف الأمثال في أماكنها ؛ وقرض الشعر الجيد وعلم العروض ؛ فإن تضمين المثل السائر ، والبيت الغابر البارع ، مما يزين كتابك ، ما لم تخاطب خليفة أو ملكا جليل القدر فإن اجتلاب الشعر في كتب الخلفاء عيب ، إلا أن يكون الكاتب هو القارض للشعر والصانع له ، فإن ذلك يزيد في أبّهته . خبر حائك الكلام أبو جعفر البغدادي قال : حدثنا عثمان بن سعيد قال : لما رجع المعتصم من الثغر وصار بناحية الرقة ، قال لعمرو بن مسعدة : ما زلت تسألني في الرّخّجي « 1 » حتى وليته

--> ( 1 ) الرخجي : نسبة إلى رخج .