أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
255
العقد الفريد
ولست أجد لحسن الخط حدّا أقف عليه ، أكثر من قول علي بن ربن النصراني الكاتب في الكاتب ، فإني سألته واستوصفته الخط ، فقال . أعلمك الخط في كلمة واحدة ؟ فقلت له : تفضل بذلك . فقال : لا تكتب حرفا حتى تستفرغ مجهودك في كتابة الحرف ، وتجعل في نفسك أنك لا تكتب غيره حتى تعجز عنه ثم تنتقل إلى ما بعده . وإياك والنقط والشكل في كتابك ، إلا أن تمرّ بالحرف المعضل الذي تعلم أن المكتوب إليه يعجز عن استخراجه ؛ فإني سمعت سعيد بن حميد بن عبد الحميد الكاتب يقول : لأن يشكل الحرف على القارئ أحب إليّ من أن يعاب الكتاب بالشكل . وكان المأمون يقول : إياكم والشّونيز « 1 » في كتبكم . يعني النقط والإعجام . ومن ذلك : أن يصلح الكاتب آلته التي لا بدّ منها ، وأداته التي لا تتم صناعته إلا بها ، مثل دواته ، فلينعم ربّها « 2 » وإصلاحها ، وليتخيّر من أنابيب القصب أقله عقدا ، وأكثفه لحما ، وأصلبه قشرا ، وأعدله استواء ؛ ويجعل لقرطاسه سكينا حادّا ؛ لتكون عونا له على بري أقلامه ، ويبريها من ناحية نبات القصبة ؛ واعلم أنّ محل القلم من الكاتب كمحل الرمح من الفارس . قال العتابي : سألني الأصمعي يوما في دار الرشيد : أي الأنابيب للكتابة أصلح ، وعليها أصبر ؟ فقلت له : ما نشف بالهجير ماؤه ، وستره عن تلويحه غشاؤه ، من التّبريّة القشور ، الدّرّيّة الظهور ؛ الفضّيّة الكسور . قال : فأيّ نوع من البري أصوب وأكتب ؟ فقلت : البرية المستوية القطة ، التي عن يمين سنها قرنة « 3 » تؤمن معها المجة عند المذة والمطة ، للهواء في شقها فتيق ، والريح في جوفها خريق « 4 » ، والمداد في
--> ( 1 ) الشونيز : الحبة السوداء . ( 2 ) ربّها : إصلاحها . ( 3 ) القرنة : زاوية الشيء أو ما نتأ منه . ( 4 ) ريح خريق : اللينة السهلة .