أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

245

العقد الفريد

ومرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يوما بامرأة مقتولة يوم فتح مكة ، فقال لحنظلة : الحق خالدا وقل له ، لا تقتلنّ ذرية ولا عسيفا « 1 » . ومات حنظلة بمدينة الرّها ، فقالت فيه امرأة ؛ وحكي أنه من قول الجن وهذا محال : يا عجب الدهر لمحزونة * تبكي على ذي شيبة شاحب إن تسأليني اليوم ما شفّني * أخبرك قيلا ليس بالكاذب إن سواد العين أودى به * وجدي على حنظلة الكاتب لما وجّه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه سعدا إلى العراق وكتب إليه أن يسبّع القبائل أسباعا ، ويجعل على كل سبع رجلا ، فعل سعد ذلك ، وجعل السّبع الثالث تميما وأسدا وغطفان وهوازن ، وأميرهم حنظلة بن الربيع الكاتب . وكان أحد من سيّر إلى يزدجرد يدعوه إلى الإسلام . وكان الحصين بن نمير من بني عبد مناة شهد بيعة الرضوان ، ودعاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليكتب صلح الحديبية فأبى ذلك سهيل بن عمرو ، وقال : لا يكتب إلا رجل منا . فكتب علي بن أبي طالب . وروي عنه عليه السلام أنه قال : لما جاء سهيل بن عمرو ونحن مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالحديبية ، حين صالح قريشا ، كان عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح يكتب له ، ثم ارتد ولحق بالمشركين ، وقال : إن محمدا يكتب بما شئت ! فسمع ذلك رجل من الأنصار ، فحلف باللّه إن أمكنه اللّه منه ليضربنّه ضربا بالسيف ؛ فلما كان يوم فتح مكة جاء به عثمان - وكان بينهما رضاع - فقال : يا رسول اللّه هذا عبد اللّه قد أقبل تائبا . فأعرض عنه ، والأنصاري مطيف به ومعه سيفه ، فمدّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يده وبايعه ، وقال للأنصاري : لقد تلوّمتك « 2 » أن توفي بنذرك ! فقال : هلا أومضت إليّ ! فقال صلّى اللّه عليه وسلم : لا ينبغي لي أن أومض « 3 » .

--> ( 1 ) العسيف : الأجير . ( 2 ) التلوم : الانتظار والتلبث . ( 3 ) يقال : أومض مض فلان : أي أشار إشارة خفية رمزا أو غمزا .