أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
24
العقد الفريد
النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ « 1 » ثم قال : يا أمير المؤمنين ، هذا جزاء من يطفّف في الكيل والميزان ، فما ظنّك بمن أخذه كله ؟ ! لأعرابي يعظ أخاه : وقال أعرابي لأخيه : يا أخي ، أنت طالب ومطلوب ، يطلبك مالا تفوته ، وتطلب ما قد كفيته ، فكأنّ ما غاب عنك قد كشف لك ، وما أنت فيه قد نقلت عنه ، فامهد لنفسك ، وأعدّ لغدك ، وخذ في جهازك . ووعظ أعرابي أخا له أفسد ماله في الشراب ، فقال : لا الدهر يعظك ، ولا الأيام تنذرك ، ولا الشيب يزجرك ، والساعات تحصى عليك ، والأنفاس تعدّ منك ، والمنايا تقاد إليك ؛ أحب الأمور إليك أعودها بالمضرة عليك . لبعض الأعراب : وقيل لأعرابي : مالك لا تشرب النبيذ ؟ قال : لثلاث خلال فيه : لأنه متلف للمال ، مذهب للعقل ، مسقط للمروءة . وقال أعرابي لرجل : أي أخي ، إن يسار النفس أفضل من يسار المال ، فإن لم ترزق غنى » فلا تحرم تقوى ، فرب شبعان من النعم ، غرثان « 2 » من الكرم ؛ واعلم أن المؤمن على خير ، ترحّب به الأرض ، وتستبشر به السماء ؛ ولن يساء إليه في بطنها ، وقد أحسن على ظهرها . وقال أعرابي : الدراهم مياسم « 3 » تسم حمدا وذمّا ؛ فمن حبسها كان لها ، ومن أنفقها كانت له ؛ وما كلّ من أعطي مالا أعطي حمدا ولا كلّ عديم ذميم . أخذ هذا المعنى الشاعر فقال : أنت للمال إذا أمسكته * فإذا أنفقته فالمال لك
--> ( 1 ) سورة المطففين الآية 1 - 6 . ( 2 ) غرثان : جائع . ( 3 ) مياسم : مفرده ميسم ، وهو الآلة يوسم بها كالمكواة .