أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

228

العقد الفريد

بطاعته ، ورزقنا وإياكم أداء حقه . ثم نزل . خطب لأبي حمزة بمكة خطبهم أبو حمزة الشاري بمكة ، فصعد المنبر متوكئا على قوس عربية ، فخطب خطبة طويلة ، ثم قال : يأهل مكة ، تعيّرونني بأصحابي ، تزعمون أنهم شباب ، وهل كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلا شبابا ؟ نعم الشباب مكتهلين ، عمية عن الشر أعينهم ، بطيئة عن الباطل أرجلهم ، قد نظر اللّه إليهم في آناء الليل منثنية أصلابهم بمثاني القرآن ، إذا مرّ أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقا إليها ، وإذا مر بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه ، قد وصلوا كلال ليلهم بكلال نهارهم ، أنضاء عبادة ، قد أكلت الأرض جباههم وأيديهم وركبهم ، مصفرة ألوانهم ، ناحلة أجسامهم من كثرة الصيام وطول القيام ، مستقلون لذلك في جنب اللّه ، موفون بعهد اللّه ، منجزون لوعد اللّه ، [ حتى ] إذا رأوا سهام العدوّ قد فوّقت « 1 » ، ورماحهم قد أشرعت ، وسيوفهم قد انتضيت ، وبرقت الكتيبة ورعدت بصواعق الموت - استهانوا بوعيد الكتيبة لوعيد اللّه ، فمضى لشاب منهم قدما حتى تختلف رجلاه على عنق فرسه ، قد رمّلت « 2 » محاسن وجهه الدماء ، وعفّر جبينه بالثرى ، وأسرع إليه سباع الأرض ، وانحطت عليه طير سماء ؛ فكم من مقلة في منقار طائر ، طالما بكى صاحبها من خشية اللّه ، وكم من كف بانت رقيق ، قد فلق بعمد الحديد ! رحمة اللّه على تلك الأبدان ، وأدخل أرواحها الجنان . ثم قال : الناس منا ونحن منهم ، إلا عابد وثن ، أو كفرة أهل الكتاب ، وإماما جائرا ، أو شادّا على عضده . وخطبة أبي حمزة بالمدينة قال مالك بن أنس رحمه اللّه : خطبنا أبو حمزة خطبة شك فيها المستبصر وردّت المرتاب ، قال :

--> ( 1 ) فوّق السهم : عمل له فوقا ، والفوق أي بإحدى طرفي السهم ميل وانكسار . ( 2 ) رمّلت : لطّخت .