أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

225

العقد الفريد

ولكم علينا العدل ؛ فأيّنا غدر فلا ذمّة له عند صاحبه ، واللّه ما انطلقت بها ألسنتنا حتى عقدت عليها قولنا ، ولا طلبناها منكم حتى بذلناها لكم ، ناجزا بناجز ، ومن حذّر كمن بشّر . قال فنادوه : سمعا سمعا ، فناداهم : عدلا عدلا عدلا . وخطبة لعتبة قدم كتاب معاوية إلى عتبة بمصر : إنّ قبلك قوما يطعنون على الولاة ويعيبون السلف . فخطبهم فقال : يأهل مصر ، خفّ على ألسنتكم مدح الحق ولا تفعلونه ، وذمّ الباطل وأنتم تأتونه ، كالحمار يحمل أسفارا أثقله حملها ولم ينفعه ثقلها ، وأيم اللّه لا أداويكم بالسيف ما صلحتم على السوط ، ولا أبلغ السوط ما كفتني الدّرة ، ولا أبطئ عن الأولى ما لم تسرعوا إلى الأخرى ؛ فالزموا ما أمركم اللّه به ، تستوجبوا ما فرض اللّه لكم علينا ؛ وإياكم وقال ويقول ، قبل أن يقال فعل ويفعل ؛ وكونوا خير قوس سهما . فهذا اليوم الذي ليس قبله عقاب ، ولا بعده عتاب . خطب الخوارج خطبة لقطري بن الفجاءة في ذمّ الدنيا صعد قطري بن الفجاءة منبر الأزارقة - وهو أحد بني مازن بن عمرو بن تميم - فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أمّا بعد ، فإني أحذركم الدنيا ، فإنها حلوة خضرة ، حفّت بالشهوات ، وراقت بالقليل ، وتحببت بالعاجلة ، وغمرت بالآمال ، وتحلّت بالأماني وزيّنت بالغرور ؛ لا تدوم حسرتها ، ولا تؤمن فجعتها ؛ غدّارة ضرارة ، وحائلة زائلة ، ونافدة بائدة ؛ لا تعدو - إذا [ هي ] تناهت إلى أمنيّة أهل الرغبة فيها والرضا عنها - أن تكون كما قال اللّه عز وجل : كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً