أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
215
العقد الفريد
ساعدة الإيادي ؟ قالوا : كلنا يعرفه قال : فما فعل ؟ قالوا : هلك ! قال : ما أنساه بسوق عكاظ في الشهر الحرام على جمل له أحمر وهو يخطب الناس ويقول : اسمعوا وعوا : من عاش مات ، ومن مات فات ، وكلّ ما هو آت آت ؛ إنّ في السماء لخبرا ، وإنّ في الأرض لعبرا ، سحائب تمور ، ونجوم تغور ، في فلك يدور . يقسم قسّ قسما : إن للّه دينا هو أرضى من دينكم هذا . ثم قال : مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون ؟ أرضوا بالإقامة فأقاموا ؟ أم تركوا فناموا . أيكم يروي من شعره ؟ فأنشد بعضهم : في الذّاهبين الأوّلين * من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا * للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها * تمضي : الأكابر والأصاغر لا يرجع الماضي ولا * يبقى من الباقين غابر أيقنت أني لا محا * لة حيث صار القوم صائر خطبة عائشة أم المؤمنين رحمها اللّه يوم الجمل قالت : أيها الناس صه صه ؛ إنّ لي عليكم حق الأمومة ، وحقّ الموعظة ؛ لا يتهمني إلا من عصى ربّه ؛ مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بين سحري « 1 » ونحري ؛ فأنا إحدى نسائه في الجنة ، له ادّخرني ربي وخلّصني من كلّ بضع « 2 » ؛ وبي ميّز مؤمنكم من منافقكم ، وبي أرخص اللّه لكم في صعيد الأبواء « 3 » ؛ ثم أبي ثاني اثنين اللّه ثالثهما ؛ وأول من سمّي صدّيقا ، مضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم راضيا عنه ؛ وطوّقه أعباء الإمامة ، ثم اضطرب حبل الدين بعده ؛ فمسك أبي بطرفيه ، ورتق لكم فتق النفاق ، وأغاض « 4 » نبع الردة ،
--> ( 1 ) السحر : الرئة . ( 2 ) البضع : النكاح . ( 3 ) صعيد الأبواء : تراب المفازة . ( 4 ) أغاض : نقص .