أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

194

العقد الفريد

ثم كبّر وحمد وذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وأوصى بالبر والتقوى ، ثم قال : اتقوا اللّه عباد اللّه ، وبادروا الأمر الذي اعتدل فيه يقينكم ولم يحضر الشك فيه أحدا منكم ، وهو الموت المكتوب عليكم ، فإنه لا تستقال بعده عثرة ، ولا تحظر قبله توبة ؛ واعلموا أنه لا شيء [ قبله إلا دونه ، ولا شيء ] بعده إلا فوقه : ولا يعين على جزعه وعلزه « 1 » وكربة ، وعلى القبر وظلمته ووحشته وضيقه وهول مطلعه ومسألة ملكيه - إلا العمل الصالح الذي أمر اللّه به ، فمن زلت عند الموت قدمه ، فقد ظهرت ندامته ، وفاتته استقالته ، ودعا من الرجعة إلى ما لا يجاب إليه ، وبذل من الفدية ما لا يقبل منه ؛ فاللّه اللّه عباد اللّه ، كونوا قوما سألوا الرجعة فأعطوها إذ منعها الذين طلبوها ، فإنه ليس يتمنى المتقدمون قبلكم ، إلا هذا الأجل المبسوط لكم ؛ فاحذروا ما حذركم اللّه فيه ، واتقوا اليوم الذي يجمعكم اللّه فيه لوضع موازينكم ، ونشر صحفكم الحافظة لأعمالكم ، فلينظر عبد ما يضع في ميزانه مما يثقل به وما يملي في صحيفته الحافظة لما عليه وله ؛ فقد حكى اللّه لكم ما قال المفرّطون عندما طال إعراضهم عنها ؛ قال جل ذكره : وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ : يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ؟ وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً « 2 » . وقال : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ « 3 » ! ولست أنهاكم عن الدنيا بأكثر مما نهتكم به الدنيا عن نفسها ، فإن كل ما بها يحذّر منها وينهى عنها ، وكل ما فيها يدعو إلى غيرها ، وأعظم مما رأته أعينكم من فجائعها وزوالها ، ذمّ كتاب اللّه لها والنهي عنها ؛ فإنه يقول تبارك وتعالى : فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ « 4 » . وقال : أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ « 5 » . فانتفعوا

--> ( 1 ) العلز : ما يصيب المريض عند حشرجة الموت من رعدة واضطراب . ( 2 ) سورة الكهف الآية 49 . ( 3 ) سورة الأنبياء الآية 47 . ( 4 ) سورة فاطر الآية 5 . وسورة لقمان الآية 33 . ( 5 ) سورة الحديد الآية 20 .