أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

189

العقد الفريد

وأمجّده لبلائه ، وأستعينه وأومن به ، وأتوكل عليه توكّل راض بقضائه ، وصابر لبلائه ؛ وأشهد أن لا إله إلا اللّه ، وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده المصطفى ، ونبيه المجتبى ، ورسوله إلى خلقه ، وأمينه على وحيه ؛ أرسله بعد انقطاع الرجاء ، وطموس العلم ، واقتراب من الساعة ، إلى أمّة جاهلية ، مختلفة أمية ، أهل عداوة وتضاغن ، وفرقة وتباين ، قد استهوتهم شياطينهم ، وغلب عليهم قرناؤهم ، فاستشعروا الرّدى ، وسلكوا العمى ، يبشّر من أطاعه بالجنة وكريم ثوابها ، وينذر من عصاه بالنار وأليم عقابها لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ « 1 » . أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه ، فإن الاقتصار عليها سلامة ، والترك لها ندامة ؛ وأحثّكم على إجلال عظمته ، وتوقير كبريائه وقدرته ، والانتهاء إلى ما يقرّب من رحمته وينجي من سخطه ، وينال به ما لديه من كريم الثواب ؛ وجزيل المآب ؛ فاجتنبوا ما خوّفكم اللّه من شديد العقاب ، وأليم العذاب ، ووعيد الحساب ؛ يوم توقفون بين يدي الجبار ، وتعرضون فيه على النار يوم لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ . فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ « 2 » ؛ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ، وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ « 3 » ؛ يوم لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ « 4 » ؛ يوم لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً ؛ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ « 5 » ؛ فإن الدنيا دار غرور ، وبلاء وشرور ، واضمحلال وزوال ، وتقلّب وانتقال ؛ قد أفنت من كان قبلكم ، وهي عائدة عليكم وعلى من بعدكم ؛ من ركض إليها صرعته ، ومن وثق بها خانته ؛ ومن أملها كذبته ، ومن رجاها خذلته ؛ عزّها وغناها فقر ؛ والسعيد من تركها ، والشقيّ فيها من آثرها ،

--> ( 1 ) سورة الأنفال الآية 42 . ( 2 ) سورة هود الآية 105 . ( 3 ) سورة عبس الآية 34 . ( 4 ) سورة البقرة الآية 123 . ( 5 ) سورة لقمان الآية 33 .