أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

180

العقد الفريد

أصلحوا سرائركم تصلح لكم علانيتكم ، وأصلحوا آخرتكم تصلح دنياكم ، وإن امرأ ليس بينه وبين آدم أب حي لمعرق في الموت . وخطبة له رحمه اللّه وإن لكل سفر زادا لا محالة . فتزودوا [ لسفركم ] من دنياكم لآخرتكم التقوى ، وكونوا كمن عاين ما أعد اللّه له من ثوابه وعقابه ، فرهبوا ورغبوا . ولا يطولن عليكم الأمد ، فتقسو قلوبكم وتنقادوا لعدوّكم . فإنه ما بسط أمل من لا يدري لعله لا بصبح بعد إمسائه أو يمسي بعد إصباحه . وربما كانت بين ذلك خطرات المنايا ، وإنما يطمئن إلى الدنيا من أمن عواقبها . فإنّ من يداوي من الدنيا كلما أصابته جراحة من ناحية أخرى ، فكيف يطمئن إليها ؟ أعوذ باللّه أن آمركم بما أنهى عنه نفسي ؛ فنخسر صفقتي ، وتظهر عيلتي ، وتبدو مسكنتي ، في يوم لا ينفع فيه إلا الحق والصدق . ثم بكى وبكى الناس معه . خطبة لعمر بن عبد العزيز أيضا شبيب بن شيبة عن أبي عبد الملك قال كنت من حرس الخلفاء قبل عمر ، فكنا نقوم لهم ونبدؤهم بالسلام ؛ فخرج علينا عمر رضي اللّه عنه في يوم عيد وعليه قميص كتان وعمامة على قلنسوة لاطئة « 1 » ، فمثلنا بين يديه وسلمنا عليه ، فقال : مه ! أنتم جماعة وأنا واحد ؛ السلام عليّ والردّ عليكم ، وسلم ، فرددنا ، وقرّبت له دابته ، فأعرض عنها ، ومشى ومشينا حتى صعد المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم قال : وددت أنّ أغنياء الناس اجتمعوا فردّوا على فقرائهم ، حتى نستوي نحن بهم ، وأكون أنا أولهم . ثم قال : مالي وللدنيا ؟ أم ما لي ولها وتكلم فأرقّ حتى بكى الناس جميعا يمينا وشمالا ، ثم قطع كلامه ونزل ؛ فدنا منه رجاء بن حيوة

--> ( 1 ) قلنسوة لاطئة : هي ما تسمى بالطاقية .