أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

178

العقد الفريد

وانقطاع مدتها ، وتصرم دارها . ثم إني أحذّركم الدنيا . فإنها حلوة خضرة ، حفّت بالشهوات ، وراقت بالقليل ، وأينعت بالفاني ، وتحببت بالعاجل . لا يدوم نعيمها ، ولا تؤمن فجيعتها ، أكّالة عوّالة غرّارة . لا تبقي على حال . ولا يبقى لها حال . لن تعدو الدنيا - إذا تناهت إلى أمنيّة أهل الرغبة فيها . والرضا بها - أن تكون كما قال اللّه عز وجل : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً « 1 » . نسأل اللّه ربّنا وإلهنا وخالقنا ومولانا أن يجعلنا وإياكم من فزع يومئذ آمنين . إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب اللّه ، يقول اللّه : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ « 2 » . أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم بسم اللّه الرحمن الرحيم : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ « 3 » . خطب بني مروان خطبة عبد الملك بن مروان وكان عبد الملك بن مروان يقول في آخر خطبته : اللهم إن ذنوبي قد عظمت وجلّت أن تحصى ، وهي صغيرة في جنب عفوك فاعف عني . وخطب بمكة شرفها اللّه تعالى فقال في خطبته : إني واللّه ما أنا بالخليفة المستضعف - يعني عثمان - ولا بالخليفة المداهن يعني معاوية - ولا بالخليفة المأفون - يعني يزيد . قال أبو إسحاق النظام : أما واللّه لولا نسبك من هذا المستضعف ، وسببك من

--> ( 1 ) سورة الكهف الآية 45 . ( 2 ) سورة الأعراف الآية 204 . ( 3 ) سورة التوبة الآية 128 .