أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

176

العقد الفريد

اصبر يزيد فقد فارقت ذا مقة * واشكر حباء الذي بالملك حاباكا لا رزء أعظم في الأقوام قد علموا * ممّا رزئت ولا عقبى كعقباكا أصبحت راعي أهل الدين كلّهم * فأنت ترعاهم واللّه يرعاكا وفي معاوية الباقي لنا خلف * أمّا نعيت فلا يسمع بمنعاكا قال فانفتح الخطباء بالكلام . وخطبة أيضا لمعاوية ولما مرض معاوية مرض وفاته قال لمولى له : من بالباب ؟ قال : نفر من قريش يتباشرون بموتك ! قال : ويحك ! لم ؟ فو اللّه ما لهم بعدي إلا الذي يسوؤهم وأذن للناس فدخلوا ، فحمد اللّه وأثنى عليه وأوجز ، ثم قال : أيها الناس ، إنا قد أصبحنا في دهر عنود ، وزمن شديد ، يعد فيه المحسن مسيئا ، ويزداد الظالم فيه عتوا ، لا ننتفع بما علمنا ، ولا نسأل عما جهلنا ، ولا نتخوّف قارعة حتى تحل بنا ، فالناس على أربعة أصناف : منهم من لا يمنعه من الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه ، وكلال حده ، ونضيض وفره ؛ ومنهم المصلت لسيفه ، المجلب برجله ، المعلن بشرّه ؛ قد أشرط « 1 » نفسه ، وأوبق دينه « 2 » : لحطام ينتهزه ، أو مقنب « 3 » يقوده ، أو منبر يفرعه « 4 » ؛ ولبئس المتجر أن تراهما لنفسك ثمنا ، ومما لك عند اللّه عوضا - ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا ؛ قد طامن من شخصه ، وقارب من خطوه ، وشمر عن ثوبه ، وزخرف نفسه للأمانة ، واتخذ ستر اللّه ذريعة إلى المعصية ؛ ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضئولة نفسه ، وانقطاع سببه ، فقصرت به الحال عن أمله ؛ فتحلى باسم القناعة ، وتزيّا بلباس الزهادة ؛ وليس من ذلك في مراح ولا مغدى ؛ وبقي رجال غض أبصارهم ذكر المرجع ، وأراق دموعهم

--> ( 1 ) أشرط : أعلم . ( 2 ) أوبق : أهلك . ( 3 ) المقنب : الجماعة من الخيل . ( 4 ) يقرعه : يعلوه .