أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
167
العقد الفريد
الأوهام حدّك ؛ حارت الأبصار دون النظر إليك ، فلم ترك عين فتخبر عنك كيف أنت وكيف كنت . لا نعلم اللهم كيف عظمتك ، غير أنا نعلم أنك حي قيوم ، لا تأخذك سنة ولا نوم ، لم ينته إليك نظر ، ولم يدركك بصر ، ولا يقدر قدرتك ملك ولا بشر ؛ أدركت الأبصار ، وكتمت الآجال ، وأحصيت الأعمال ، وأخذت بالنواصي والأقدام ، لم تخلق الخلق لحاجة ولا لوحشة ملأت كلّ شيء عظمة ، فلا يردّ ما أردت ، ولا يعطى ما منعت ، ولا ينقص سلطانك من عصاك ، ولا يزيد في ملكك من أطاعك ؛ كلّ سرّ عندك علمه ، وكل غيب عندك شاهده ؛ فلم يستتر عنك شيء ، ولم يشغلك شيء عن شيء ، وقدرتك على ما تقضي ، كقدرتك على ما قضيت ، وقدرتك على القوي كقدرتك على الضعيف وقدرتك على الأحياء كقدرتك على الأموات ؛ فإليك المنتهى وأنت الموعد ، لا منجى إلا إليك ؛ بيدك ناصية كل دابة ، وبإذنك تسقط كلّ ورقة ؛ لا يعزب « 1 » عنك مثقال ذرة ؛ أنت الحيّ القيوم ؛ سبحانك ! ما أعظم ما يرى من خلقك ! وما أعظم ما يرى من ملكوتك ! وما أقلهما فيما غاب عنا منه ! وما أسبغ نعمتك في الدنيا وأحقرها في نعيم الآخرة ! وما أشدّ عقوبتك في الدنيا وما أيسرها في عقوبة الآخرة ! وما الذي نرى من خلقك ، ونعتبر من قدرتك . ونصف من سلطانك فيما يغيب عنا منه مما قصرت أبصارنا عنه وكانت عقولنا دونه ، وحالت الغيوب بيننا وبينه ، فمن قرع سنه وأعمل فكره كيف أقمت عرشك ، وكيف ذرأت خلقك ، وكيف علقت في الهواء سماواتك ، وكيف مددت أرضك - يرجع طرفه حاسرا ، وعقله مبهورا ، وسمعه والها ، وفكره متحيرا ؛ فكيف يطلب علم ما قبل ذلك من شأنك إذ أنت وحدك في الغيوب التي لم يكن فيها غيرك ، ولم يكن لها سواك ؟ لا أحد شهدك حين فطرت « 2 » الخلق ، ولا أحد حضرك حين ذرأت « 3 » النفوس ، فكيف لا يعظم شأنك عند من عرفك ، وهو يرى من خلقك ما ترتاع به عقولهم ، ويملأ قلوبهم ، من رعد تفزع له القلوب ، وبرق يخطف الأبصار ، وملائكة خلقتهم وأسكنتهم سماواتك ، وليست فيهم فترة ، ولا عندهم غفلة ، ولا بهم معصية ؛
--> ( 1 ) يعزب : يغيب . ( 2 ) يقال فطر اللّه العالم : أوجده ابتداء . ( 3 ) يقال : ذرأ اللّه الخلق : أي خلقهم .