أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
160
العقد الفريد
فمن أخلص في أيام أمله حضور أجله ، نفعه عمله ولم يضره أمله ؛ ومن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله ، فقد خسر عمله وضره أمله ؛ ألا فاعملوا للّه في الرغبة كما تعملون له في الرهبة ، ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها ، ولم أر كالنار نام هاربها ؛ [ ألا وإنه من لا ينفعه الحقّ يضرره الباطل ، ومن لم يستقم به الهدى يجرّ به الضلال إلى الردى ] ؛ ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن ، ودللتم على الزاد ، وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل . وخطبة له : قالوا ولما أغار سفيان بن عوف الأزدي على الأنبار في خلافة علي رضي اللّه عنه ، وعليها [ ابن ] حسان البكري ، فقتله وأزال تلك الخيل عن مسالحها « 1 » ، فخرج علي رضي اللّه عنه حتى جلس على باب السّدّة ، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أمّا بعد ؛ فإن الجهاد باب من أبواب الجنة ، فمن تركه ألبسه اللّه ثوب الذل وشملة البلاء ، وألزمه الصغار ، وسامه الخسف ، ومنعه النّصف « 2 » ؛ ألا وإني دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا ، وسرا وإعلانا ، وقلت لكم : اغزوهم قبل أن يغزوكم ، فو اللّه ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلّوا . فتواكلتم وتخاذلتم ، وثقل عليك قولي فاتخذتموه وراءكم ظهريا ؛ حتى شنّت عليكم الغارات ؛ وهذا أخو غامد قد بلغت خيله الأنبار ، وقتل ابن حسان البكري ؛ وأزال خيلكم عن مسالحها ؛ وقتل منكم رجالا صالحين ، وقد بلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة ، فينزع حجلها وقلبها « 3 » ورعاثها « 4 » ، ثم انصرفوا وافرين ما كلم رجل منهم ؛ فلو أنّ رجلا مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان عندي ملوما ، بل كان به عندي جديرا ؛ فوا عجبا من جدّ هؤلاء في باطلهم وفشلكم عن حقكم ؛ فقبحا لكم وترحا حين صرتم غرضا يرمى ؛ يغار عليكم ولا تغيرون ، وتغزون ولا تغزون ، ويعصى اللّه وترضون ؛ فإذا أمرتكم بالمسير إليهم في أيام الحرّ ، قلتم : حمارّة
--> ( 1 ) المسالح : الثغور . ( 2 ) النصف : الانتصاف . ( 3 ) القنب : السوار . ( 4 ) الرعاث : القرط .