أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
16
العقد الفريد
منعه الحجاب ، وشتمه العبيد ، وضربه الأشراط ؛ فلما كان في بعض الأيام خرج مالك بن طوق يريد التنزه حول الرحبة ، فعارضه الأعرابي ، فضربوه ومنعوه ، فلم يثنه ذلك حتى أخذ بعنان فرسه ، ثم قال : أيها الأمير ، إني عائذ باللّه من أشراطك هؤلاء ! فقال مالك : دعوا الأعرابي ؛ هل من حاجة يا أعرابي ؟ قال : نعم أصلح اللّه الأمير ؛ أن تصغى إليّ بسمعك ، وتنظر إليّ بطرفك ، وتقبل إليّ بوجهك . قال : نعم . فأنشأ الأعرابي يقول : ببابك دون الناس أنزلت حاجتي * وأقبلت أسعى حوله وأطوف ويمنعني الحجّاب والسّتر مسبل * وأنت بعيد والشروط صفوف « 1 » يدورون حولي في الجلوس كأنهم * ذئاب جياع بينهنّ خروف فأمّا وقد أبصرت وجهك مقبلا * فأصرف عنه إنني لضعيف وما لي من الدّنيا سواك ولا لمن * تركت ورائي مربع ومصيف وقد علم الحيّان قيس وخندف * ومن هو فيها نازل وحليف تخطّيت أعناق الملوك ورحلتي * إليك وقد حنّت إليك صروف فجئتك أبغي اليسر منك فمرّ بي * ببابك من ضرب العبيد صنوف فلا تجعلن لي نحو بابك عودة * فقلبي من ضرب الشّروط مخوف فاستضحك مالك حتى كاد أن يسقط عن فرسه ؛ ثم قال لمن حوله : من يعطيه درهما بدرهمين وثوبا بثوبين ؟ فوقعت عليه الثياب والدراهم من كل جانب حتى تحير الأعرابي ؛ ثم قال له : هل بقيت لك حاجة يا أعرابي ؟ قال : أما إليك فلا ! قال : فإلى من ؟ قال : إلى اللّه أن يبقيك للعرب ؛ فإنها لا تزال بخير ما بقيت لها . دخل أعرابي إلى هشام بن عبد الملك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أتت علينا ثلاثة أعوام : فعام أذاب الشحم ، وعام أكل اللحم ، وعام انتقى العظم « 2 » ؛ وعندكم أموال ، فإن تكن للّه فبثوها في عباد اللّه ، وإن تكن للناس فلم تحجب عنهم ، وإن تكن لكم
--> ( 1 ) الشروط : رجال الشرطة . ( 2 ) انتقى العظم : استخرج نقيه ، وهو مخه .