أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
151
العقد الفريد
يستعمل العبرة ، ولا يسكن إلى الثقة ، فهو كالدرهم القسيّ « 1 » والسراب الخادع ، جذل الظاهر ، حزين الباطن ، فإذا وجبت نفسه ، ونصب عمره ، وضحا ظله ، حاسبه اللّه ، فأشدّ حسابه ، وأقلّ عفوه . ألا وإن الفقراء هم المرحومون ! ألا إن من آمن باللّه حكم بكتابه وسنّة نبيه صلّى اللّه عليه وسلم وإنكم اليوم على خلافة نبوة ، ومفرق محجة ، وسترون بعدي ملكا عضوضا ، « 2 » وملكا عنودا ، وأمة شعاعا ، ودما مباحا ؛ فإن كانت للباطل نزوة ، ولأهل الحق جولة ، يعفو لها الأثر ، ويموت لها الخبر ، فالزموا المساجد ، واستشيروا القرآن واعتصموا بالطاعة ، وليكن الإبرام بعد التشاور ، والصفقة بعد طول التناظر ، أي بلاد خرشنة « 3 » إن اللّه سيفتح لكم أقصاها كما فتح عليكم أدناها . وخطب أيضا فقال : الحمد للّه ، أحمده وأستعينه ، وأستغفره وأومن به ، وأتوكل عليه وأستهدي اللّه بالهدى ، وأعوذ به من الضلالة والردى ، ومن الشك والعمى ؛ من يهد اللّه فهو المهتدي ، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ؛ وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيى ويميت ، وهو حي لا يموت ، يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء ، بيده الخير وهو على كل شيء قدير ؛ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون - إلى الناس كافة ، رحمة لهم وحجة عليهم ، والناس حينئذ على شر حال في ظلمات الجاهلية ، دينهم بدعة ، ودعوتهم فرية ، فأعز اللّه الدين بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وألف بين قلوبكم أيها المؤمنون ، فأصبحتم بنعمته إخوانا ، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ، كذلك يبين اللّه لكم آياته لعلكم تهتدون ؛ فأطيعوا اللّه ورسوله ، فإنه قال عز وجل : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ ، وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً « 4 » . أما بعد أيها الناس : إني أوصيكم بتقوى اللّه العظيم في كل أمر وعلى كل حال
--> ( 1 ) القسي : الرديء الزائف . ( 2 ) عضوض : فيه استبداد وعسف . ( 3 ) خرشنة : يريد بلاد الروم . ( 4 ) سورة النساء الآية 80 .