أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

148

العقد الفريد

وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، و [ أشهد ] أن محمدا عبده ورسوله . أوصيكم عباد اللّه ، بتقوى اللّه ، وأحثكم على طاعة اللّه ، وأستفتح بالذي هو خير . أمّا بعد : أيها الناس ، اسمعوا مني أبيّن لكم ، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا ! أيها الناس : إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ، إلى أن تلقوا ربكم ، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا . ألا هل بلغت ، اللهم اشهد ! فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى الذي ائتمنه عليها ؛ وإن ربا الجاهلية موضوع « 1 » ، وإنّ أوّل ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب ؛ وإن دماء الجاهلية موضوعة ، وإن أول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السّدانة والسّقاية ، والعمد قود « 2 » ، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر ، وفيه مائة بعير ، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية . أيها الناس ، إنّ الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه ، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك ما تحقرون من أعمالكم . أيها الناس ، إنما النّسيء « 3 » زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا يحلّونه عاما ويحرّمونه عاما ليواطئوا عدّة ما حرّم اللّه . وإنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض ، وإنّ عدّة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهرا في كتاب اللّه يوم خلق السماوات والأرض ، منها أربعة حرم ، ثلاثة متواليات ، وواحد فرد : ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرّم ، ورجب الذي بين جمادي وشعبان . ألا هل بلغت ، اللهم اشهد !

--> ( 1 ) موضوع : يقال : وضع عنه الدين أي أسقطه عنه . ( 2 ) القود : القصاص ، أي من قتل عمدا يقتل . ( 3 ) النسيء : تأخير حرمة المحرم إلى صفر أيام الجاهلية .