أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
145
العقد الفريد
كتاب الواسطة في الخطب فرش الكتاب قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه : قد مضى قولنا في الأجوبة وتباين الناس فيها بقدر عقولهم ، ومبلغ فطنهم ، وحضور أذهانهم ؛ ونحن قائلون بعون اللّه وتوفيقه في الخطب التي يتخير لها الكلام ، وتفاخرت بها العرب في مشاهدهم ، ونطقت بها الأئمة على منابرهم ، وشهرت بها في مواسمهم ، وقامت بها على رؤوس خلفائهم ؛ وتباهت بها في أعيادهم ومساجدهم . ووصلتها بصلواتهم ، وخوطب بها العوام ، واستجزلت لها الألفاظ ، وتخيرت لها المعاني . اعلم أن جميع الخطب على ضربين : منها الطوال ، ومنها القصار ؛ ولكل ذلك موضع يليق به ، ومكان يحسن فيه ؛ فأول ما نبدأ به من ذلك خطب النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم السلف المتقدمين ، ثم الجلة من التابعين والجلة من الخلفاء الماضين والفصحاء المتكلمين ، على ما سقط إلينا ووقع عليه اختيارنا ؛ ثم نذكر بعض خطب الخوارج ؛ لجزالة ألفاظهم ، وبلاغة منطقهم ، كخطبة قطري بن الفجاءة في ذم الدنيا ؛ فإنها معدومة النظير ، منقطعة القرين ؛ وخطبة أبي حمزة التي سمعها مالك بن أنس فقال : خطبنا أبو حمزة بالمدينة خطبة شكك فيها المستبصر ، وردّد فيها المرتاب ، ثم نسمح بصدر من خطب البادية وقول الأعراب خاصة ؛ لمعرفتهم بداء الكلام ودوائه ، وموارده ومصادره . عبد الملك وابن سلمة : قال عبد الملك بن مروان لخالد بن سلمة القرشي المخزومي : من أخطب الناس ؟