أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
114
العقد الفريد
ربّه ، وأفرد في قبره ، وخلا بعمله ؛ وكان واللّه - ما علمنا - المبرّز بسبقه ، الطاهر خلقه ، الميمون نقيبته « 1 » ، العظيم مصيبته فقال له معاوية : يا أحنف ، لقد أغضيت العين على القذى ، وقلت ما ترى ! وأيم اللّه لتصعدنّ المنبر فتلعننّه طوعا أو كرها ، فقال له الأحنف يا أمير المؤمنين ، إن تعفني فهو خير لك ، وإن تجبرني على ذلك فو اللّه لا تجري فيه شفتاي أبدا ! قال : قم فاصعد المنبر . قال الأحنف : أما واللّه مع ذلك لأنصفنك في القول والفعل . قال : وما أنت قائل يا أحنف إن أنصفتني ؟ قال : أصعد المنبر فأحمد اللّه بما هو أهله ، وأصلّ على نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم أقول : أيها الناس ، إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن ألعن عليا ، وإن عليا ومعاوية اختلفا فاقتتلا ، وادّعى كلّ واحد منهما أنه بغي عليه وعلى فئته ؛ فإذا دعوت فأمّنوا رحمكم اللّه . ثم أقول : اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه ؛ والعن الفئة الباغية ؛ اللهم العنهم لعنا كبيرا ! أمّنوا رحمكم اللّه . يا معاوية ، لا أزيد على هذا ولا أنقص منه حرفا ولو كان فيه ذهاب نفسي ؛ فقال معاوية : إذا نعفيك يا أبا بحر . معاوية وعقيل في أمر علي : وقال معاوية لعقيل بن أبي طالب : إن عليا قد قطعك ووصلتك ؛ ولا يرضيني منك إلا أن تلعنه على المنبر ! قال : أفعل ، فأصعد ، فصعد ، ثم قال بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه : أيها الناس ، إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن ألعن عليّ بن أبي طالب فالعنوه فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين ثم نزل ، فقال له معاوية إنك لم تبين أبا يزيد من لعنت بيني وبينه . قال : واللّه لا زدت حرفا ولا نقصت آخر ، والكلام إلى نية المتكلم . الهيثم بن عدي قال : قال معاوية لأبي الطفيل : كيف وجدك على عليّ ؟ قال : وجد ثمانين مثكلا ! قال : فكيف حبّك له ؟ قال : حب أم موسى ، وإلى اللّه أشكو التقصير !
--> ( 1 ) ميمون النقيبة : مبارك النفس مظفر فيما يحاول .