أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

101

العقد الفريد

لججها ؛ فما بقاءك في البحور إذا غمرتك ، وفي الأمواج إذا بهزتك « 1 » ؟ هنالك تعرف نفسك ؛ وتندم على ما كان من جرأتك ، وتمسّي ما أصبحت فيه من أمان وقد حيل بين العير والنّزوان . فأطرق ابن الزبير مليا ثم رفع رأسه فالتفت إلى من حوله ، ثم قال أسألكم باللّه : أتعلمون أن أبي حواريّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأن أباه أبا سفيان حارب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ وأن أمي أسماء بنت أبي بكر الصديق ، وأمه هند آكلة الأكباد ؟ وجدي الصدّيق ، وجده المشدوخ ببدر ورأس الكفر ؟ وعمتي خديجة ذات الخطر والحسب ، وعمته أم جميل حمالة الحطب ؟ وجدّتي صفية ، وجدته حمامة ؟ وزوج عمتي خير ولد آدم محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وزوج عمته شر ولد آدم أبو لهب سيصلي نارا ذات لهب ؟ وخالتي عائشة أم المؤمنين ، وخالته أشقى الأشقين ؟ وأنا عبد اللّه ، وهو معاوية ؟ وقال له معاوية : ويحك يا ابن الزبير كيف تصف نفسك بما وصفتها ؟ واللّه مالك في القديم من رئاسة ، ولا في الحديث سياسة ، ولقد قدناك وسدناك قديما وحديثا ، لا تستطيع لذلك إنكارا ، ولا عنه فرارا ، وإن هؤلاء الحضور ليعلمون أن قريشا قد اجتمعت يوم الفخار على رئاسة حرب بن أمية وأن أباك وأسرتك تحت رايته راضون بإمارته غير منكرين لفضله ولا طامعين في عزله ، إن أمر أطاعوا ، وإن قال أنصتوا ، فلم تزل فينا القيادة وعزّ الولاية ؛ حتى بعث اللّه عز وجل محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ، فانتخبه من خير خلقه ، من أسرتي لا أسرتك ، وبني أبي لابني أبيك ، فجحدته قريش أشدّ الجحود ؛ وأنكرته أشدّ الإنكار وجاهدته أشدّ الجهاد ، إلا من عصم اللّه من قريش ؛ فما ساد قريشا وقادهم إلا أبو سفيان بن حرب ، فكانت الفئتان تلتقيان ورئيس الهدى منا ورئيس الضلالة منا ؛ فمهديّكم تحت راية مهديّنا ، وضالّكم تحت راية ضالّنا ؛ فنحن الأرباب ، وأنتم الأذناب ؛ حتى خلّص اللّه أبا سفيان بن حرب بفضله من عظيم شركه ؛ وعصمه بالإسلام من عبادة الأصنام ؛ فكان ما لم يعط في

--> ( 1 ) البهز : الدفع الشديد .