أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
92
العقد الفريد
القيامة يوم ذو حسرات ، وإن من أعظم الحسرات غدا أن ترى مالك في ميزان غيرك . فيا لها عثرة لا تقال . وتوبة لا تنال . لحكيم يعظ قوما : ووعظ حكيم قوما فقال : يا قوم ، استبدلوا العوارى « 1 » بالهبات تحمدوا العقبى ، واستقبلوا المصائب بالصبر تستحقوا النّعمى ، واستديموا الكرامة بالشكر تستوجبوا الزيادة . واعرفوا فضل البقاء في النعمة والغنى في السلامة قبل الفتنة الفاحشة ، والمثلة « 2 » البينة ، وانتقال العمل ، وحلول الأجل ؛ فإنما أنتم في الدنيا أغراض المنايا ، وأوطان البلايا ، ولن تنالوا نعمة إلا بفراق أخرى ، ولا يستقبل منكم معمّر يوما من عمره إلا بانتقاص آخر من أجله ، ولا يحيا له أثر إلا مات له أثر ، فأنتم أعوان الحتوف على أنفسكم ، وفي معاشكم أسباب مناياكم ، لا يمنعكم شيء منها ، ولا يشغلكم شيء عنها ، فأنتم الأخلاف بعد الأسلاف ، وستكونون أسلافا بعد الأخلاف ، بكل سبيل منكر صريع منعفر ، وقائم ينتظر ، فمن أي وجه تطلبون البقاء ، وهذان الليل والنهار لم يرفعا شيئا قط إلا أسرعا الكرة في هدمه ، ولا عقدا أمرا إلا رجعا في نقضه . لأبي الدرداء : وقال أبو الدّرداء : يا أهل دمشق ، مالكم تبنون ما لا تسكنون ، وتأملون ما لا تدركون ، وتجمعون ما لا تأكلون ؟ هذه عاد وثمود قد ملئوا ما بين بصرى وعدن أموالا وأولادا ، فمن يشتري مني ما تركوا بدرهمين . لابن شبرمة : وقال ابن شبرمة : إذا كان البدن سقيما لم ينجع في الطعام ولا الشراب ، وإذا كان
--> ( 1 ) العوارى : مفردها العارة ، وهي ما تعطي غيرك على أن يعيده إليك . ( 2 ) المثلة : أي العقاب والعذاب .