أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

357

العقد الفريد

تباينوا فإذا تساووا هلكوا . تقول : لا يزالون بخير ما كان فيهم أشراف وأخيار ، فإذا جملوا كلهم جملة واحدة هلكوا . وإذا ذمّت العرب قوما قالوا : سواسية كأسنان الحمار . وكيف يستوي الناس في فضائلهم والرجل الواحد لا تستوي في نفسه أعضاؤه ولا تتكافأ مفاصله ، ولكن لبعضها الفضل على بعض ، وللرأس الفضل على جميع البدن بالعقل والحواس الخمس . وقالوا : القلب أمير الجسد . ومن الأعضاء خادمة ، ومنها مخدومة . قال ابن قتيبة : ومن أعظم ما ادعت الشعوبية فخرهم على العرب بآدم عليه السّلام وبقول النبي عليه الصلاة والسّلام : « لا تفضّلوني عليه ، فإنما أنا حسنة من حسناته » . ثم فخرهم بالأنبياء أجمعين وأنهم من العجم غير أربعة : هود وصالح وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسّلام ؛ واحتجوا بقول اللّه عز وجل : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ « 1 » ثم فخروا بإسحاق بن إبراهيم ، وأنه لسارة ، وأنّ إسماعيل لأمة تسمى هاجر . وقال شاعرهم : في بلدة لم تصل عكل بها طنبا * ولا خباء ، ولا عك وهمدان « 2 » ولا لجرم ولا بهراء من وطن * لكنها لبني الأحرار أوطان أرض يبنّي بها كسرى مساكنه * فما بها من بني اللّخناء إنسان فبنو الأحرار عندهم : العجم ؛ وبنو اللخناء عندهم : العرب ؛ لأنهم من ولد هاجر وهي أمة ، وقد غلطوا في هذا التأويل ، وليس كل أمة يقال لها اللخناء إنما اللخناء من الإماء الممتهنة في رعي الإبل وسقيها وجمع الحطب ، وإنما أخذ من اللخن ، وهو نتن الريح ؛ يقال : لخن السقاء ، إذا تغير ريحه ؛ فأما مثل هاجر التي طهرها اللّه من كل دنس وارتضاها للخليل فراشا ، وللطّيّبين إسماعيل ومحمد أمّا ، وجعلهما سلالة - فهل يجوز لملحد فضلا عن مسلم أن يسميها لخناء !

--> ( 1 ) سورة آل عمران الآية 33 . ( 2 ) الطنب : حبل يشد به الخباء .