أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
279
العقد الفريد
المكان قال لنا : أيّ الأمم أعقل ؟ فنظر بعضنا إلى بعض ؛ فقلنا : لعله أراد أصله من فارس . فقلنا : فارس . فقال : ليسوا بذلك ؛ إنهم ملكوا كثيرا من الأرض ، ووجدوا عظيما من الملك ، وغلبوا على كثير من الخلق ، ولبث فيهم عقد الأمر ؛ فما استنبطوا شيئا بعقولهم ، ولا ابتدعوا باقي حكم بنفوسهم . قلنا : فالروم . قال : أصحاب صنعة . قلنا : فالصين . قال : أصحاب طرفة . قلنا : الهند . قال : أصحاب فلسفة . قلنا : السودان . قال : شر خلق اللّه . قلنا : الترك . قال : كلاب ضالة . قلنا : الخزر . قال : بقر سائمة . قلنا : فقل . قال : العرب . قال : فضحكنا . قال : أما إني ما أردت موافقتكم ، ولكن إذا فاتني حظي من النسبة ، فلا يفوتني حظي من المعرفة ؛ إن العرب حكمت على غير مثال مثل لها ، ولا آثار أثرت ؛ أصحاب إبل وغنم ، وسكان شعر وأدم ؛ يجود أحدهم بقوته ، ويتفضل بمجهوده ، ويشارك في ميسوره ومعسوره ، ويصف الشيء بعقله فيكون قدوة ، ويفعله فيصير حجة ، ويحسّن ما شاء فيحسن ، ويقبّح ما شاء فيقبح ؛ أدّبتهم أنفسهم ، ورفعتهم هممهم ، وأعلتهم قلوبهم وألسنتهم ؛ فلم يزل حباء اللّه فيهم وحباؤهم في أنفسهم ، حتى رفع لهم الفخر ، وبلغ بهم أشرف الذكر ، وختم لهم بملكهم الدنيا على الدهر ، وافتتح دينه وخلافته بهم إلى الحشر على الخير فيهم ولهم ؛ فقال تعالى : إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ « 1 » فمن وضع حقهم خسر ، ومن أنكر فضلهم خصم ؛ ودفع الحق باللسان أكبت للجنان . ذو الرمة وعبد أسود : ذكر الأصمعي عن ذي الرمة قال : رأيت عبدا أسود لبني أسد قدم علينا من شق اليمامة ، وكان وحشيا ؛ لطول تغرّبه في الإبل ، وربما كان لقي الأكرة « 2 » فلا يفهم عنهم ولا يستطيع إفهامهم ، فلما رآني سكن إليّ ، ثم قال لي : يا غيلان ، لعن اللّه بلادا ليس فيها عربيّ ، وقاتل اللّه الشاعر حيث يقول :
--> ( 1 ) سورة الأعراف الآية 128 . ( 2 ) الأكرة : الفلاحين .