أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
232
العقد الفريد
أبكيك لا للنّعيم والأنس * بل للمعالي والرّمح والفرس يا فارسا بالعراء مطّرحا * خانته قوّاده مع الحرس أبكي على سيّد فجعت به * أرملني قبل ليلة العرس أم من لبرّ أم من لعائدة * أم من لذكر الإله في الغلس « 1 » من للحروب التي تكون لها * إن أضرمت نارها بلا قبس وقال أعرابية ترثي زوجها : كنّا كغصنين في جرثومة بسقا * حينا على خير ما ينمى به الشجر حتى إذا قيل قد طالت فروعهما * وطاب قنواهما واستنظر الثّمر « 2 » أخنى على واحد ريب الزّمان وما * يبقي الزّمان على شيء ولا يذر « 3 » كنّا كأنجم ليل بينهما قمر * يجلو الدّجى فهوى من بيننا القمر الأصمعي وجارية على قبر زوجها : الأصمعيّ قال : دخلت بعض مقابر الأعراب ومعي صاحب لي ، فإذا جارية على قبر كأنها تمثال ، وعليها من الحلي والحلل ما لم أر مثله ، وهي تبكي بعين غزيرة وصوت شجي ؛ فالتفت إلى صاحبي فقلت : هل رأيت أعجب من هذا ؟ قال : لا واللّه ولا أحسبني أراه ! ثم قلت لها : يا هذه إني أراك حزينة وما عليك زي الحزن . فأنشأت تقول : فإن تسألاني فيم حزني فإنني * رهينة هذا القبر يا فتيان وإني لأستحييه والتّرب بيننا * كما كنت أستحييه حين يراني أهابك إجلالا وإن كنت في الثرى * مخافة يوم أن يسوأك شاني ثم اندفعت في البكاء وجعلت تقول : يا صاحب القبر يا من كان ينعم بي * بالا ويكثر في الدّنيا مواساتي
--> ( 1 ) الغلس : ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح . ( 2 ) القنو : الغدق . ( 3 ) أخنى عليه الدهر : أهلكه وأتى عليه .