أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

197

العقد الفريد

عائشة على قبر أبي بكر : ووقفت عائشة على قبر أبي بكر فقالت : نضّر اللّه وجهك ، وشكر لك صالح سعيك ، فقد كنت للدنيا مذلّا بإدبارك عنها ، وكنت للآخرة معزّا بإقبالك عليها ولئن كان أجلّ الحوادث بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رزؤك ، وأعظم المصائب بعده فقدك - إن كتاب اللّه ليعد بحسن الصبر فيك ، وحسن العوض منك ؛ فأنا أتنجز موعود اللّه بحسن العزاء عليك ، وأستعيضه منك بالاستغفار لك ؛ فعليك السلام ورحمة اللّه ، توديع غير قالية « 1 » لحياتك ، ولا زارية على القضاء فيك ! ثم انصرفت . رثاء علي لأبي بكر : لما قبض أبو بكر سجّي بثوب فارتجت المدينة بالبكاء عليه ، ودهش القوم كيوم قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وجاء علي بن أبي طالب باكيا مسرعا مسترجعا حتى وقف بالباب وهو يقول : رحمك اللّه أبا بكر ، كنت واللّه أوّل القوم إسلاما ، وأخلصهم إيمانا . وأشدّهم يقينا ، وأعظمهم غناء ، وأحفظهم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأحدبهم « 2 » على الإسلام ، وأحناهم على أهله ، وأشبههم برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خلقا وفضلا وهديا وسمتا ، فجزاء اللّه عن الإسلام وعن رسول اللّه وعن المسلمين خيرا ، صدّقت رسول اللّه حين كذّبه الناس ، وواسيته حين بخلوا ، وقمت معه حين قعدوا ، سماك اللّه في كتابه صدّيقا ، فقال : « والّذي جاء بالصّدق وصدّق به » يريد محمدا ويريدك ، كنت واللّه للإسلام حصنا ، وعلى الكافرين عذابا ، لم تفلل حجتك ، ولم تضعف بصيرتك ، ولم تجبن نفسك ، كنت الجبل لا تحركه العواصف ، ولا تزيله القواصف ، كنت كما قال رسول اللّه ضعيفا في بدنك ، قويا في أمر اللّه ، متواضعا في نفسك ، عظيما عند اللّه ، جليلا في الأرض ، كثيرا عند المؤمنين ، لم يكن لأحد عندك مطمع ، ولا لأحد عندك هوادة ، فالقويّ عندك ضعيف حتى تأخذ الحق منه ، والضعيف عندك قوي

--> ( 1 ) قالية : مبغضة . ( 2 ) أحدبهم : يقال حدبت المرأة على ولدها أي امتنعت عن الزواج بعد أبيه رأفة به .