أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
189
العقد الفريد
فأسندوه ، ثم قال : اللهم إنك أمرتني فلم آتمر ، وزجرتني فلم أزدجر ، اللهم لا قويّ فأنتصر ، ولا بريّ فأعتذر ، ولا مستكبر بل مستغفر ! أستغفرك وأتوب إليك ، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ! فلم يزل يكررها حتى مات . قال : وأخبرنا رجال من أهل المدينة أن عمرو بن العاص قال لبنيه عند موته : إني لست في الشّرك الذي لومت عليه أدخلت النار ، ولا في الإسلام الذي لو متّ عليه أدخلت الجنة ؛ فمهما قصرت فيه فإني مستمسك بلا إله إلا اللّه . وقبض عليها بيده ، وقبض لوقته ؛ فكانت يده تفتح ثم تترك ، فتنقبض . وقال لبنيه : إن أنا مت فلا تبكوا عليّ ، ولا يتبعني مادح ولا نائح ، وشنّوا « 1 » عليّ التراب شنا ، فليس جنبي الأيمن أولى بالتراب من الأيسر ؛ ولا تجعلوا في قبري خشبة ولا حجرا ، وإذا واريتموني فاقعدوا عند قبري قدر نحر جزور « 2 » . وتفصيلها أستأنس بكم . الجزع من الموت الفضيل بن عياض قال : ما جزع أحد من أصحابنا عند الموت ما جزع سفيان الثوري ، فقلنا : يا أبا عبد اللّه ، ما هذا الجزع ، ألست تذهب إلى من عبدته وفررت ببدنك إليه ؟ فقال : ويحكم ! إني أسلك طريقا لم أعرفه ، وأقدم على ربّ لم أره . حزن سعيد بن أبي الحسن على أخيه : ولما توفي سعيد بن أبي الحسن وجد عليه أخوه الحسن وجدا شديدا ، فكلّم في ذلك ، فقال : ما رأيت اللّه جعل الحزن عارا على يعقوب !
--> ( 1 ) شنوا : يقال : شن عليه الماء ، أي رشه عليه رشا متفرقا . ( 2 ) جزور : ما يصلح لأن يذبح من الإبل .