أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
187
العقد الفريد
صلّى اللّه عليه وسلم سألتها ؛ فقالت : أسّر إليّ فأخبرني أنه ميت فبكيت ؛ ثم أسّر إليّ أني أول أهل بيته لحوقا به فضحكت . عائشة مع أبيها في احتضاره : القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها أنها دخلت على أبيها في مرضه الذي مات فيه ، فقالت له : يا أبت ، اعهد إلي خاصتك ، وأنفذ رأيك في عامتك ، وانقل من دار جهازك إلى دار مقامك ؛ وإنك محضور ومتصل بقلبي لوعتك ، وأرى تخاذل أطرافك ، وانتقاع لونك ؛ فإلى اللّه تعزيتي عنك ، ولديه ثواب حزني عليك ، أرقأ فلا أرقأ وأشكو فلا أشكى . فرفع رأسه فقال : يا بنية ، هذا يوم يحلّ فيه عن غطائي ؛ وأعاين جزائي ، إن فرحا فدائم ، وإن نوحا فمقيم ؛ إني اضطلعت بإمامة هؤلاء القوم ، حين كان النكوص إضاعة ، والحذر تفريطا ؛ فشهيدي اللّه ما كان بقلبي إلا إياه ؛ فتبلّغت بصحفتهم ، وتعللت بدرّة لقحتهم ، وأقمت صلاي « 1 » معهم ، لا مختالا أشرا ، ولا مكابرا بطرا ، لم أعد سدّا لجوعة ، وتورية لعورة ، طوى ممغص تهفو له الأحشاء وتجب له الأمعاء ؛ واضطررت إلى ذلك اضطرار الجرض « 2 » إلى المعيف « 3 » الآجن ، فإذا أنا متّ فردّي إليهم صحفتهم ولقحتهم وعبدهم ورحاهم ، ودثارة ما فوقي اتّقيت بها أذى البرد ، ودثارة ما تحتى اتقيت بها أذى الأرض ، كان حشوهما قطع السعف . عمر مع أبي بكر في احتضاره : ودخل عليه عمر فقال : يا خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، لقد كلفت القوم بعدك تعبا ، ووليتهم نصبا . فهيهات من شقّ غبارك ! وكيف باللحاق بك . وقالت عائشة وأبوها يغمّض :
--> ( 1 ) الصلا : وسط الظهر . ( 2 ) الجرض : الذي يبتلع ريقه بجهد . ( 3 ) المعيف : المكروه .