أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

183

العقد الفريد

كتاب السّدرة في النوادي والتعاذي والمراثي قال أحمد بن محمد بن عبد ربه : قد مضى قولنا في الزهد ورجاله المشهورين : ونحن قائلون بعون اللّه في النوادب والمراثي ، والتهاني والتعازي ، بأبلغ ما وجدناه من الفطن الذكية ، والألفاظ الشجية ، التي ترق القلوب القاسية ، وتذيب الدموع الجامدة ، مع اختلاف النوادب عند نزول المصائب ؛ فنادبة تثير الحزن من ربضته ، وتبعث الوجد من رقدته ، بصوت كترجيع الطير ، وتقطع أنفاس المآتم « 1 » ، وتترك صدعا في القلوب الجلامد ؛ ونادبة تخفض من نشيجها ، وتقصد في نحيبها ، وتذهب مذهب الصبر والاستسلام ، والثقة بجزيل الثواب . قال عمر بن ذرّ : سألت أبي : ما بال الناس إذا وعظتهم بكوا ، وإذا وعظهم غيرك لم يبكوا ؟ قال : يا بنيّ ، ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة . وقال الأصمعي : قلت لأعرابي : ما بال المراثي أشرف أشعاركم ؟ قال : لأنا نقولها وقلوبنا محترقة . وقال الحكماء : أعظم المصائب كلها انقطاع الرجاء . وقالوا : كلّ شيء يبدو صغيرا ثم يعظم ؛ إلا المصيبة ؛ فإنها تبدو عظيمة ثم تصغر .

--> ( 1 ) المآتم : اجتماع النساء للموت .