أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
154
العقد الفريد
الدنيا ، كما يذود الراعي الشفيق إبله عن موارد الهلكة . قال الفضيل بن عياض : ألا ترون كيف يزوي اللّه الدنيا عمن يحب من خلقه : يمررها عليه مرة بالجوع ، ومرة بالعري ، ومرة بالحاجة ؛ كما تصنع الأم الشفيقة بولدها : تفطمه بالصبر مرة ، ومرة بالحضض « 1 » ؛ وإنما يريد بذلك ما هو خير له . وفي الحديث : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « أخبرني جبريل عن اللّه تبارك وتعالى أنه قال : ما ابتليت عبدي ببلية في نفسه أو ماله أو ولده فتلقاها بصبر جميل إلا استحييت يوم القيامة أن أرفع له ميزانا أو أنشر له ديوانا » . كتمان البلاء إذا نزل قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من ابتلي ببلاء فكتمه ثلاثة أيام صبرا واحتسابا ، كان له أجر شهيد » . وسمع الفضيل بن عياض رجلا يشكو بلاء نزل به ، فقال : يا هذا ، تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك . وقال : من شكا مصيبة نزلت به فكأنما شكا ربّه . وقال دريد بن الصمة يرثي أخاه عبد اللّه بن الصمة : قليل التشكّي للمصائب ذاكرا * من اليوم أعقاب الأحاديث في غد وقال تأبط شرا : قليل التشكّي للملمّ يصيبه * كثير النّوى شتى الهوى والمسالك « 2 » لشريح : الشيباني قال : أخبرني صديق لي قال : سمعني شريح وأنا أشتكي بعض ما غمّني إلى صديق ، فأخذ بيدي وقال : يا بن أخي . إياك والشكوى إلى غير اللّه ؛ فإنه لا يخلو
--> ( 1 ) الحضض : عصارة نبات مر . ( 2 ) الملمّ : الزائر .