أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

136

العقد الفريد

وقال أبو العتاهية : الناس في غفلاتهم * ورحى المنيّة تطحن وقال عمر بن عبد العزيز : من أكثر من ذكر الموت اكتفى باليسير ، ومن علم أن الكلام عمل : قلّ كلامه إلا فيما ينفع . وكان أبو الدرداء إذا رأى جنازة قال : اغدي « 1 » فإنا رائحون ، أو روحي « 2 » فإنا غادون . وقال رجل للحسن : مات فلان فجأة . فقال : لو لم يمت فجأة لمرض فجأة ثم مات . وقال يعقوب صلوات اللّه عليه للبشير الذي أتاه بقميص يوسف : ما أدري ما أثيبك به ، ولكن هوّن اللّه عليك سكرات الموت . ابن العلاء وجرير : وقال أبو عمرو بن العلاء : لقد جلست إلى جرير وهو يملي على كاتبه : ودّع أمامة حان منك رحيل ثم طلعت جنازة فأمسك وقال : شيّبتني هذه الجنازة . قلت : فلم تساب الناس ؟ قال : يبدءونني ثم لا أعفو ، وأعتدي ولا أبتدي . ثم أنشأ يقول : تروّعنا الجنائز مقبلات * فنلهو حين تذهب مدبرات كروعة ثلّة لمغار سبع * فلما غاب عادت راتعات « 3 » وقالوا : من جعل الموت بين عينيه ، لها عما في يديه . وقالوا : اتخذ نوح بيتا من جصّ ، فقيل : لو بنيت ما هو أحسن من هذا ! قال : هذا كثير لمن يموت .

--> ( 1 ) اغدي : اذهبي غدوة ، والغدوة ما بين الفجر وطلوع الشمس . ( 2 ) روحي : سيري في العشيّ . ( 3 ) الروع : الحرب ؛ والثلة : الجماعة من الناس .