أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

130

العقد الفريد

قولهم في التوبة للمسيح عليه السّلام : مر المسيح بن مريم عليه السّلام بقوم من بني إسرائيل يبكون ، فقال لهم : ما يبكيكم ؟ قالوا : نبكي لذنوبنا ! قال : اتركوها تغفر لكم . وقال علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه : عجبا لمن يهلك ومعه النجاة ؛ قيل له : وما هي ؟ قال : التوبة والاستغفار . فتى من بني إسرائيل : وقالوا : كان شاب من بني إسرائيل قد عبد اللّه عشرين حجة ، ثم عصاه عشرين حجّة ؛ فبينما هو في بيته يتراءى في مرآته ، نظر إلى الشيب في لحيته ، فساءه ذلك ؛ فقال : إلهي ، أطعتك عشرين سنة وعصيتك عشرين سنة ؛ فإن رجعت إليك تقبلني ؟ فسمع صوتا من زاوية البيت ، ولم ير شخصا : أحببتنا فأحببناك ، وتركتنا فتركناك ، وعصيتنا فأمهلناك ، وإن رجعت إلينا قبلناك . ابن العلاء في عابد : عبد اللّه بن العلاء قال : خرجنا حجّاجا من المدينة ، فلما كنا بالحليفة نزلنا ، فوقف علينا رجل عليه أثواب رثّة له منظر وهيئة ، فقال : من يبغي خادما ؟ من يبغي ساقيا ؟ من يملأ قربة أو إداوة ؟ فقلنا : دونك هذه القرب فاملأها . فأخذها وانطلق ، فلم يلبث إلا يسيرا حتى أقبل امتلأت أثوابه طينا ، فوضعها وهو كالمسرور الضاحك ، ثم قال : لكم غير هذا ؟ قلنا : لا . وأطعمناه قارصا حاذرا « 1 » ، فأخذه وحمد اللّه وشكره ، ثم اعتزل وقعد يأكل أكل جائع ، فأدركتني عليه الرقة ، فقمت إليه بطعام طيب كثير ؛ وقلت : قد علمت أنه لم يقع منك القرص موقعا ، فدونك هذا الطعام فكله . فنظر في

--> ( 1 ) القارص الحاذر : اللبن الحامض .