أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
123
العقد الفريد
قال بعض الشعراء يصف الدنيا : لقد غرّت الدنيا رجالا فأصبحوا * بمنزلة ما بعدها متحوّل فساخط أمر لا يبدّل غيره * وراض بأمر غيره سيبدّل وبالغ أمر كان يأمل دونه * ومخترم من دون ما كان يأمل « 1 » وقال هارون الرشيد : لو قيل للدنيا صفي لنا نفسك ، وكانت ممن ينطق ، ما وصفت نفسها بأكثر من قول أبي نواس : إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشّفت * له عن عدوّ في ثياب صديق وما الناس إلّا هالك وابن هالك * وذو نسب في الهالكين عريق لبعض الشعراء : وقال آخر في صفة الدنيا : فرحنا وراح الشّامتون عشيّة * كأنّ على أكتافنا فلق الصّخر لحا اللّه دنيا تدخل السّتر أهلها * وتهتك ما بين الأقارب من ستر ولأبي العتاهية : كلنا نكثر الملامة للدنيا * وكل بحبّها مفتون والمقادير لا تناولها الأو * هام لطفا ولا تراها العيون ولركب الفناء في كلّ يوم * حركات كأنهنّ سكون لابن عبد ربه : ومن قولنا في وصف الدنيا : ألا إنما الدّنيا نضارة أيكة * إذا اخضرّ منها جانب جفّ جانب « 2 » هي الدار ما الآمال إلّا فجائع * عليها ولا اللّذّات إلا مصائب فكم سخنت بالأمس عين قريرة * وقرّت عيون دمعها اليوم ساكب
--> ( 1 ) المخترم : أي الذي اخترمته المنيّة فقضت عليه . ( 2 ) الأيكة : الشجر الملتف .