أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
121
العقد الفريد
كبيت له بابان ، دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر . وقال لقمان لابنه : إن الدنيا بحر عريض ، قد هلك فيه الأولون والآخرون ، فإن استطعت أن تجعل سفينتك تقوى اللّه ، وعدّتك التوكل على اللّه ، وزادك العمل الصالح . فإن نجوت فبرحمة اللّه ، وإن هلكت فبذنوبك . وقال ابن الحنفية : من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا . وقال : إن الملوك خلّوا لكم الحكمة فخلّوا لهم الدنيا . وقيل لمحمد بن واسع : إنك لترضى بالدّون « 1 » . قال : إنما رضي بالدون من رضي بالدنيا . وقال المسيح عليه الصلاة والسّلام للحواريين : أنا الذي كفأت « 2 » الدنيا على وجهها ، فليس لي زوجة تموت ، ولا بيت يخرب . لابن عبيد : شكا رجل إلى يونس بن عبيد وجعا يجده ، فقال له : يا عبد اللّه ، هذه دار لا توافقك فالتمس لك دارا توافقك . الراهب : لقي رجل راهبا فقال : يا راهب ، صف لنا الدنيا . فقال : الدنيا تخلق الأبدان ، وتجدد الآمال ، وتباعد الأمنيّة ، وتقرّب المنية . قال : فما حال أهلها ؟ قال : من ظفر بها تعب ، ومن فاتته نصب « 3 » . قال . فما الغنى عنها ؟ قال : قطع الرجاء منها . قال : فأين المخرج ؟ قال : في سلوك المنهج . قال : وما ذاك ؟ قال : يذل المجهود ، والرضا بالموجود .
--> ( 1 ) الدّون : القليل . ( 2 ) كفأت : يقال كفأ الإناء أي ما له وقلبه ليصب ما فيه . ( 3 ) نصب : أعيا وتعب .