أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

116

العقد الفريد

الأوقص المخزومي : وكان الأوقص المخزومي قاضيا بمكة ، فما رؤى مثله في عفافه وزهده ؛ فقال يوما لجلسائه : قالت لي أمي : يا بني ، إنك خلقت خلقة لا تصلح معها لمجامعة الفتيان عند القيان ؛ فعليك بالدين ؛ فإن اللّه يرفع به الخسيسة ، ويتم به النقيصة ، فنفعني اللّه تعالى بكلامها وأطعتها فوليت القضاء . بين ابن واسع وابن دينار : الفضيل بن عياض قال : اجتمع محمد بن واسع ومالك بن دينار في مجلس بالبصرة ، فقال مالك بن دينار : ما هو إلا طاعة اللّه أو النار . فقال محمد بن واسع ما هو كما تقول ، ليس إلا عفو اللّه أو النار . قال مالك : صدقت . ثم قال مالك : إنه يعجبني أن يكون للرجل معيشة قدر ما يقوته . قال محمد بن واسع : ما هو إلا كما تقول ، ولكن يعجبني أن يصبح الرجل وليس له غداء ، ويمسي وليس له عشاء ، وهو مع ذلك راض عن اللّه عز وجل . قال مالك : ما أحوجني إلى أن يعلمني مثلك . لابن مهدي في بعض العباد : جعفر بن سليمان قال : سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول : ما رأيت أحدا أقشف « 1 » من شعبة ، ولا أعبد من سفيان الثوري ، ولا أحفظ من ابن المبارك . وما أحب أن ألقى اللّه بصحيفة أحد إلا بصحيفة بشر بن منصور ، مات ولم يدع قليلا ولا كثيرا . بشر بن منصور على فراش الموت : عبد الأعلى بن حماد قال : دخلت على بشر بن منصور وهو في الموت ، فإذا به من السرور في أمر عظيم ؛ فقلت له : ما هذا السرور ؟ قال : سبحان اللّه ! أخرج من بين الظالمين والباغين والحاسدين والمغتابين ، وأقدم على أرحم الراحمين ولا أسر .

--> ( 1 ) أقشف : من التقشّف .