أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

مقدمة المحقق 8

العقد الفريد

إن صغر عندها عن عظمه عند إشبيلية فإنّ لتقارب برّيه هنالك ، وتقطّع غدره ومروجه معنى آخر ، وحلاوة أخرى ، وزيادة أنس ، وكثرة أمان من الغرق ، وفي جوانبه من البساتين والمروج ما زاده نضارة وبهجة . في هذه البيئة المليئة بالعطر والورود والأفياء نشأ صاحب العقد ، وأمضى سحابة شبابه مستمتعا بطبيعة بلاده وأجوائها المساعدة على النظم واللهو والغناء ، ولذا فقد أولع الرجل بسماع الغناء والطرب اللذين شاعا في المدن الأندلسيّة أيّما شيوع ، حتّى أصبحت بلاطات الأمراء مسارح للمغنّيات والقيان اللواتي كنّ يفدن إلى هناك من مختلف الأقطار العربية في بداية الأمر كالجارية العجفاء ، وقد استأثرت قرطبة باستقبال روّاد هذا الفن ، ثم انتقل مركز الغناء إلى إشبيلية حتى ظنّ أنّها عاصمة هذا الفنّ . وتفرّدت قرطبة بالعلم والفقه ، وأصبحت عاصمة الأدب وحاضنة علوم الدين . وكان طبيعيّا أن يتأثر أديبنا بطبيعة بلاده ، ويساير تلك الموجة العارمة من الطرب واللهو والعبث والمجون ، فشرب الخمرة ، وطرب لسماع الأصوات العذبة ، وهذا ما يمكننا أن نستشفّه من خلال شعره المبثوث في ثنايا عقده . ومن الواضح أنّ الرجل قد تاب عن غيّه وعاد إلى رشده خلال العقد الرابع من عمره ، فطرق باب الفقه ، وتتلمذ على شيوخ عدة نذكر منهم الخشني ، وابن وضاح ، وبقي بن مخلد ، وفي تلك الحقبة من الزمن كانت دراسة الفقه مدخلا وممهدا لتسلّم المراكز الرفيعة ، فامتلأت المدن الأندلسية التي خضعت للحكم العربي وخاصة قرطبة بالعلماء والأدباء والفقهاء . . ويظهر أنّ صاحب العقد كان على صلة مع أمراء عصره ، فقد مدح أمير قرطبة محمد بن عبد الرحمن الحكم ، كما كان على صلة بابنه المنذر أيضا ، وفي هذه الحقبة من تاريخ الأندلس كثرت الفتن ، حتى أن أحد قوّاد الفتنة ، عمر بن حفصون ، قد هدّد السلطة الأمويّة ، وقد نعته ابن عبد ربه ، بالمارق الفاسق . . واتصل صاحب العقد كذلك بالقائد العربي إبراهيم بن الحجاج الذي جعل أمارته في أشبيلية ، وكان كريما سخيّا على الأدباء والشعراء ، فوفد إلى بلاطه معظم علماء الأندلس وشعرائها .