أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

356

العقد الفريد

والناس مشركون ، وأطاع والناس كارهون ، فلم يزل في ذلك حتى قتل مبارزي بدر ، وأفنى أهل أحد ، وهزم الأحزاب ، وقتل اللّه به أهل خيبر ، وفرّق به جمع هوازن ؛ فيا لها من وقائع زرعت في قلوب نفاقا ، وردّة وشقاقا ، وزادت المؤمنين إيمانا ، وقد اجتهدت في القول ؛ وبالغت في النصيحة ، وباللّه التوفيق ، والسلام عليكم ورحمة اللّه . فقال معاوية : يا أم الخير ، ما أردت بهذا الكلام الا قتلي ، ولو قتلتك ما حرجت في ذلك . قالت : واللّه ما يسوؤني أن يجري قتلي علي يدي من يسعدني اللّه بشقائه . قال : : هيهات يا كثيرة الفضول . ما تقولين في عثمان بن عفان رحمه اللّه ؟ قالت : وما عسيت أن أقول في عثمان ، استخلفه الناس وهم به راضون ، وقتلوه وهم له كارهون . قال معاوية : يا أم الخير ؛ هذا أصلك الذي تبنين « 1 » . قالت : لكن اللّه يشهد وكفى باللّه شهيدا ؛ ما أردت بعثمان نقصا ، ولكن كان سابقا إلى الخير ، وإنه لرفيع الدرجة غدا . قال : فما تقولين في طلحة بن عبيد اللّه ؟ قالت : وما عسى أن أقول في طلحة ؟ اغتيل من مأمنه ، وأتي من حيث لم يحذر ، وقد وعده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الجنة . قال : فما تقولين في الزبير ؟ قالت : وما أقول في ابن عمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وحواريّه ، وقد شهد له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالجنة ، وقد كان سبّاقا إلى كل مكرمة في الإسلام ، وأنا أسألك بحق اللّه يا معاوية ، فإنّ قريشا تحدّثت أنك أحلمها : أن تسعني بفضل حلمك ، وأن تعفيني من هذه المسائل ، وتسألني عما شئت من غيرها . قال نعم ونعمة عين ، قد أعفيتك منها . ثم أمر لها بجائزة رفيعة وردّها مكرمة .

--> ( 1 ) في بعض الأصول : هذا ثناؤك الذي تثنين ، يريد أن سوء رأيها في عثمان هو الأصل الذي بنت عليه .