أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

354

العقد الفريد

وفود أم الخير بنت حريش على معاوية عبيد اللّه بن عمر الغساني عن الشعبي ، قال : كتب معاوية إلى واليه بالكوفة أن يحمل إليه أمّ الخير بنت الحريش بن سراقة البارقي برحلها ، وأعلمه أنه مجازيه بالخير خيرا وبالشر شرّا بقولها فيه ، فلما ورد عليه كتابه ركب إليها فأقرأها كتابه ؛ فقالت : أما أنا فغير زائغة عن طاعة ، ولا معتلة بكذب ، ولقد كنت أحبّ لقاء أمير المؤمنين لأمور تختلج في صدري . فلما شيّعها وأراد مفارقتها قال لها : يا أم الخير ، إن أمير المؤمنين كتب إليّ أنه مجازيني بالخير خيرا وبالشر شرا ؛ فمالي عندك ؟ قالت : يا هذا لا يطمعنك برّك بي أن أسرك بباطل . ولا تؤيسك معرفتي بك أن أقول فيك غير الحق . فسارت خير مسير حتى قدمت على معاوية . فأنزلها مع الحرم ؛ ثم أدخلها في اليوم الرابع وعنده جلساؤه ؛ فقالت : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته . فقال لها : وعليك السلام يا أم الخير ، بحقّ ما دعوتني بهذا الاسم . قالت : يا أمير المؤمنين ، مه ، فإن بديهة السلطان مدحضة لما يحب علمه ، ولكلّ أجل كتاب . قال : صدقت ! فكيف حالك يا خالة ؟ وكيف كنت في مسيرك ؟ قالت : لم أزل يا أمير المؤمنين في خير وعافية حتى صرت إليك ؛ فأنا في مجلس أنيق ، عند ملك رفيق . قال معاوية : بحسن نيتي ظفرت بكم . قالت : يا أمير المؤمنين ، يعيذك اللّه من دحض المقال وما تردي عاقبته . قال : ليس هذا أردنا . أخبرينا كيف كان كلامك إذ قتل عمار بن ياسر ؟ قالت : لم أكن زوّرته « 1 » قبل ، ولا روّيته بعد ؛ وإنما كانت كلمات نفثها لساني عند الصدمة ؛ فإن أحببت أن أحدث لك مقالا غير ذلك فعلت . فالتفت معاوية إلى جلسائه فقال : أبكم يحفظ كلامها ؟ فقال رجل منهم : أنا أحفظ بعض كلامها يا أمير المؤمنين . قال : هات . قال : كأني بها وعليها برد زبيديّ كثيف بين النسيج ، وهي على جمل أرمك « 2 » وقد أحيط حولها ، وبيدها سوط منتشر الضفيرة ، وهي كالفحل يهدر في شقشقته « 3 » ، تقول :

--> ( 1 ) زوّرته : حسّنته . ( 2 ) الأرمك : رماديّ اللون . ( 3 ) الشقشقة : صوت الجمل .