أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
345
العقد الفريد
عما افترض عليك من حقّنا ، ولا تزال تقدم علينا من ينهض بعزّك ، ويبسط سلطانك ، فيحصدنا حصاد السّنبل ، ويدوسنا دياس البقر ، ويسومنا الخسيسة ، ويسألنا الجليلة ؛ هذا ابن أرطاة قدم بلادي ، وقتل رجالي ، وأخذ مالي ، ولولا الطاعة لكان فينا عزّ ومنعة ، فإما عزلته فشكرناك ، وإما لا فعرفناك ! فقال معاوية : إياي تهدّدين بقومك ؟ واللّه لقد هممت أن أردّك إليه على قتب « 1 » أشرس فينفّذ حكمه فيك . فسكتت ، ثم قالت : صلّى الإله على روح تضمّنه * قبر فأصبح فيه العدل مدفونا قد حالف الحقّ لا يبغي به ثمنا * فصار بالحقّ والإيمان مقرونا قال : ومن ذلك ؟ قالت : عليّ بن أبي طالب رحمه اللّه تعالى . قال : ما أرى عليك منه أثرا ! قالت : بلى ، أتيته يوما في رجل ولاه صدقاتنا فكان بيننا وبينه ما بين الغثّ « 2 » والسمين ، فوجدته قائما يصلي ، فانفتل من الصلاة ثم قال برأفة وتعطّف : ألك حاجة ؟ فأخبرته خبر الرجل . فبكى ، ثم رفع يديه إلى السماء فقال : اللهم إني لم آمرهم بظلم خلقك ، ولا ترك حقّك . ثم أخرج من جيبه قطعة من جراب فكتب فيه : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * . . . قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ، فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ . . . وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ، بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ « 3 » . إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك حتى يأتي من يقبضه منك . والسلام . فعزله يا أمير المؤمنين . ما خزمه بخزام « 4 » ، ولا ختمه بختام . فقال معاوية : اكتبوا لها بالإنصاف لها والعدل عليها . فقالت : ألي خاصّة أم لقومي عامة ؟ قال : وما أنت وغيرك ؟ قالت : هي واللّه إذا الفحشاء واللؤم ، إن لم
--> ( 1 ) القتب : الرحل الصغير على قدر سنام البعير . ( 2 ) الغثّ : الرديء الفاسد . ( 3 ) سورة هود الآية 85 . ( 4 ) خزمه : شكّه وثقبه ، أي أقفله .