أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
335
العقد الفريد
وصدّقت بالفعل المقال مع الذي * أتيت فأمسى راضيا كلّ مسلم ألا إنما يكفي الفتى بعد زيغه * من الأود الباقي ثقاف المقوّم « 1 » وقد لبست لبس الهلوك ثيابها * تراءى لك الدنيا بكفّ ومعصم « 2 » وتومض أحيانا بعين مريضة * وتبسم عن مثل الجمان المنظّم فأعرضت عنها مشمئزا كأنّما * سقتك مدوفا من سمام وعلقم « 3 » وقد كنت من أجبالها في ممنّع * ومن بحرها في مزيد الموج مفعم وما زلت تواقا إلى كلّ غاية * بلغت بها أعلى البناء المقوّم فلما أتاك الملك عفوا ولم يكن * لطالب دنيا بعده من تقدّم تركت الذي يفنى وإن كان مونقا * وآثرت ما يبقى برأي مصمّم وأضررت بالفاني وشمّرت للذي * أمامك في يوم من الشرّ مظلم ومالك إذا كنت الخليفة مانع * سوى اللّه من مال رغيب ولآدم سما لك همّ في الفؤاد مؤرّق * بلغت به أعلى المعالي بسلّم فما بين شرق الأرض والغرب كلّها * مناد ينادي من فصيح وأعجم يقول أمير المؤمنين ظلمتني * بأخذ لدينار ولا أخذ درهم ولا بسط كفّ لامرئ غير مجرم * ولا السّفك منه ظالما ملء محجم ولو يستطيع المسلمون لقسّموا * لك الشّطر من أعمارهم غير ندّم فأربح بها من صفقة لمبايع * وأعظم بها أعظم بها ثم أعظم قال : فأقبل عليّ وقال : إنك مسؤول عما قلت . ثم تقدّم الأحوص فاستأذنه في الإنشاد ، فقال : قل ، ولا تقل إلا حقّا . فقال : وما الشّعر إلا حكمة من مؤلّف * بمنطق حقّ أو بمنطق باطل فلا تقبلن إلّا الذي وافق الرّضا * ولا ترجعنّا كالنّساء الأرامل رأيناك لم تعدل عن الحقّ يمنة * ولا شأمة فعل الظّلوم المخاتل « 4 »
--> ( 1 ) الزيغ : الضلال ، والأود : الاعوجاج . ( 2 ) الهلوك : البغيّ . ( 3 ) مدوفا : ممزوجا . ( 4 ) شأمة : بسرة ، والمخاتل ، الغادر .