أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

325

العقد الفريد

وصائف ودعا من صاحب نفقته بخمسمائة دينار ، ودعا مولاة له كانت تلي طيبه ، فدحست لها ربعة عظيمة مملوءة طيبا ، ثم قال : عجّلها ويلك . فخرجت أسوقها حتى انتهيت إلى الباب ؛ وإذا الفارس قد بلّغ عني ، فما تركني الحجّاب أن تمس رجلاي الأرض حتى أدخلت على عبد الملك وهو يتلظّى ، فقال لي يا ماصّ ، وكذا أنت المجيب عن أمير المؤمنين والمتهكم برسله ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، ائذن لي أتكلم . قال : وما تقول يا كذا وكذا ؟ قلت : ائذن لي جعلني اللّه فداك أتكلم . قال : تكلم . قلت : يا أمير المؤمنين ، أنا أصغر شأنا ، وأقل خطرا من أن يبلغ كلامي من أمير المؤمنين ما أرى ، وهل أنا إلا عبد من عبيد أمير المؤمنين ، نعم ، قد قلت ما بلغك ، وقد يعلم أمير المؤمنين إنّما نعيش في كنف هذا الشيخ ، وأنّ اللّه لم يزل إليه محسنا ، فجاءه من قبلك شيء ما أتاه قطّ مثله ، إنما طلبت نفسه التي بين جنبيه ، فأجبت بما بلغك لأسهّل الأمر عليه ؛ ثم سألني فأخبرته واستشارني فأشرت عليه ، وها هي ذه قد جئتك بها . قال : أدخلها ويلك ! قال : فأدخلتها عليه وعنده مسلمة ابنه ، غلام ما رأيت مثله ولا أجمل منه حين اخضرّ شاربه . فلما جلست وكلّمها أعجب بكلامها ، فقال : للّه أبوك ، أمسكك لنفسي أحبّ إليك أم أهبك لهذا الغلام ، فإنه ابن أمير المؤمنين ، قالت : يا أمير المؤمنين ، لست لك بحقيقة ، وعسى أن يكون هذا الغلام لي وجها . قال : فقام من مكانه ما راجعها ، فدخل ، وأقبل عليها مسلمة فقال : يا لكاع « 1 » ، أعلى أمير المؤمنين تختارين ؟ قالت : يا عدوّ نفسه إنما تلومني أن اخترتك ؟ لعمر اللّه لقد قال رأي من اختارتك . قال : فضيّقت واللّه مجلسه . واطّلع علينا عبد الملك قد ادهن بدهن وأرى الشيب ، وعليه حلة تتلألأ كأنها الذهب ، بيده مخصرة « 2 » يخطر بها ، فجلس مجلسه على سريره ، ثم قال : إيها ، للّه أبوك ، أمسكك لنفسي أحبّ لك أم أهبك لهذا الغلام ؟ قالت : ومن أنت أصلحك اللّه ؟ قال لها الخصيّ : هذا أمير المؤمنين ! قالت : لست مختارة على أمير المؤمنين أحدا . قال : فأين

--> ( 1 ) لكاع : أحمق . ( 2 ) المخصرة : ما يتوكأ عليه كالعصا .