أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

279

العقد الفريد

في أهل إقليمك ولما هو أفضل . ثم كساه من كسوته ، وسرّحه إلى موضعه من الحيرة . فلمّا قدم النعمان الحيرة وفي نفسه ما فيها مما سمع من كسرى من تنقص العرب وتهجين أمرهم ، بعث إلى أكثم بن صيفيّ وحاجب بن زرارة التميميّين ، وإلى الحارث ابن عباد وقيس بن مسعود البكريّين ، وإلى خالد بن جعفر ، وعلقمة بن معد يكرب الزّبيدي ، والحرث بن ظالم المرّي ؛ فلما قدموا عليه في الخورنق ، قال لهم : قد عرفتم هذه الأعاجم وقرب جوار العرب منها ، وقد سمعت من كسرى مقالات تخوّفت أن يكون لها غور ، وأن يكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ به العرب خولا « 1 » كبعض طماطمته « 2 » في تأديتهم الخراج إليه ، كما يفعل بملوك الأمم الذين حوله . فاقتصّ عليهم مقالات كسرى وما ردّ عليه ؛ فقالوا : أيها الملك ، وفّقك اللّه ، ما أحسن ما رددت ، وأبلغ ما حججته به ؛ فمرنا بأمرك ، وادعنا إلى ما شئت . قال : إنما أنا رجل منكم ، وإنما ملكت وعززت بمكانكم وما يتخوّف من ناحيتكم ، وليس شيء أحبّ إليّ مما سدّد اللّه به أمركم ، وأصلح به شأنكم ، وأدام به عزّكم ؛ والرأي أن تسيروا بجماعتكم أيها الرهط وتنطلقوا إلى كسرى ، فإذا دخلتم نطق كل رجل منكم بما حضره ، ليعلم أنّ العرب الرهط وتنطلقوا إلى كسرى ، فإذا دخلتم نطق كل رجل منكم بما حضره ، ليعلم أنّ العرب على غير ما ظن أو حدّثته نفسه ؛ ولا ينطق رجل منكم بما يغضبه ، فإنه ملك عظيم السلطان ، كثير الأعوان مترف معجب بنفسه ، ولا تنخزلوا « 3 » له انخزال الخاضع الذليل ، وليكن أمر بين ذلك ، تظهر به وثاقة حلومكم ، وفضل منزلتكم ، وعظمة أخطاركم ؛ وليكن أول من يبدأ منكم بالكلام أكثم بن صيفي ، لسنيّ حاله ، ثم تتابعوا على الأمر من منازلكم التي وضعتكم بها ؛ فإنما دعاني إلى التّقدمة بينكم علمي بميل كل رجل منكم على التقدم قبل صاحبه ؛ فلا يكوننّ ذلك منكم فيجد في آدابكم مطعنا ؛ فإنه ملك مترف ، وقادر مسلّط .

--> ( 1 ) الخول : العبيد . ( 2 ) الطماطمة : من في لسانهم عجمة ، يريد رعيته من الأعاجم . ( 3 ) تتخزلوا : تتذلّلوا وتستضعفوا نفوسكم .