أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
275
العقد الفريد
تحيّة من ألبسته منك نعمة * إذا زار عن شحط بلادك سلّما « 1 » وما كان قيس هلكه هلك واحد * ولكنه بنيان قوم تهدّما وفود العرب على كسرى ابن الفطامي عن الكلبيّ قال : قدم النعمان بن المنذر على كسرى وعنده وفود الروم والهند والصين ، فذكروا من ملوكهم وبلادهم . فافتخر النعمان بالعرب وفضّلهم على جميع الأمم ، لا يستثنى فارس ولا غيرها ، فقال كسرى وأخذته عزة الملك : يا نعمان ، لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأمم ، ونظرت في حال من يقدم عليّ من وفود الأمم ، فوجدت الروم لها حظّ في اجتماع ألفتها ، وعظم سلطانها ، وكثرة مدائنها ، ووثيق بنيانها : وأنّ لها دينا يبيّن حلالها وحرامها ويردّ سفيهها ويقيم جاهلها . ورأيت الهند نحوا من ذلك في حكمتها وطبّها ، مع كثرة أنهار بلادها وثمارها ، وعجيب صناعاتها ، وطيّب أشجارها ، ودقيق حسابها ، وكثرة عددها . وكذلك الصين في اجتماعها . وكثرة صناعات أيديها في آلة الحرب وصناعة الحديد ، وفروسيّتها وهمتها ، وأنّ لها ملكا يجمعها . والترك والخزر على ما بهم من سوء الحال في المعاش ، وقلّة الريف والثمار والحصون ، وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس ، لهم ملوك تضمّ قواصيهم وتدبّر أمرهم . ولم أر للعرب شيئا من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا ، ولا حزم ولا قوة ، مع أن مما يدل على مهانتها وذلّها وصغر همتها ، ومحلّتهم التي هم بها مع الوحوش النافرة ، والطير الحائرة ، يقتلون أولادهم من الفاقة ، ويأكل بعضهم بعضا من الحاجة ، قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ، ومشاربها ولهوها ولذّاتها ، فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل التي يعافها كثير من السباع لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها ، وإن قرى أحدهم ضيفا عدّها مكرمة ، وإن أطعم أكلة عدّها غنيمة ؛ تنطق بذلك أشعارهم ، وتفتخر بذلك رجالهم ، ما خلا هذه التّنوخيّة التي
--> ( 1 ) شحط : بعد .